المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار العمر


محمد الفاطمي الأول
09-06-2000, 01:31 AM
صادفني يوم أمس رجل أعرفه ، كان قد أشهر إسلامه قبل عدة شهور وحينما قابلته ، سألته ؛ عن حاله مع الدين الجديد . فقال : الحمد لله ، أرى نفسي ألان في آلاء ونعماء لا تحصى ، وهذا بفضل الخالق جل وعلى . لكن هناك بعض التساؤلات التي لا تفارقني ، فسألته عنها ، فقال : أخاف الخوض فيها لأني أحسها كبيرة ومخيفة فأخاف أن أقع في أخطاء أندم عليها بقية العمر . فقلت : حسنا حسنا ، أذكر لي مضمون هذه الأسئلة ، أو محتواها أو أي كلمة تحدد هويتها .فقال إنها تخص الله جل جلاله ، فقلت : إذن هي وسوسات شيطانية لتعيدك إلى ملتك الأولى بعد أن هداك الله لذلك عليك التعوذ بالله من شيطان لئيم كلما مرت عليك هذه الأسئلة التي تجعل العقل في حالة طلب لمعرفة ذات الله التي من المفروض أن لا نعرفها طلما تخص الله وحده ولم يشأ رب العزة أن يعلمنا عنها أي شيء.لكن إن كنت تحب الاطمئنان على نفسك منها اذكرها لي علي أوضحها لك بطريقة واضحة . فقال بعد برهة من الصمت : في أي سنة ولد الله ؟ فقلت له الله العظيم لم يلد ولم يولد أولا يكفي قوله تعالى في سورة الإخلاص بعد"بسم الله الرحمن الرحيم" " قل هو الله أحد "…. قال نعم ، وما ذات الله ؟أهي صلبة كالحديد أن سائلة كالماء أم غازية كالدخان فقلت له ببساطه : إذا جلست عند مريض مشرف على الموت وهو على النزع الأخير ، فهل ترى روحه عندما تخرج ويموت أهي صلبة أم غازية أم سائلة ؟ فقال : إننا لا نرى الروح وحتى لانحسها . فقلت : الروح وهي مخلوقة لايمكن لنا أن نصل إلى كننها فكيف يريد الإنسان أن يصف الذات الإلهية ؟
فقال:اصبح الحديث ممتع طلما فيه توضيح وبالتالي احب الأمور والتساؤلات كلها فقلت : هات ما عندك لعل الله يرحمنا بها . فقال : في أي مكان يوجد الخالق ؟ فقلت له إن الله العظيم موجود في كل مكان يخلو من نجس فلو أحضرت كوبا مملوءا بالبن محلوب الآن
فهل فيه سمن ؟ فقال : هذا أكيد ، فسألته : وأين يوجد السمن في اللبن ؟ فقال : ليس له مكان خاص بل هو شائع في كل جزيئات اللبن فقلت له : إذا كان السمن المخلوق هذا حاله فكيف الخالق ؟! ثم قال : ففي أي وجه يتجه وجه ربك العظيم ؟
فقلت له : احضر مصباحا في مكان مظلم ففي أي اتجاه يتجه نوره؟ أليس في جميع الجهات ؟ قال:بلى . قلت : فهذا حال النور الصناعي فكيف نور السماوات والاراضين . ثم قال : وفي أي سنة وجد الله تعالى ؟ قلت : الله موجود قبل الأزمنة والدهور وخذ مثلا : ما قبل الثلاثة ؟ قال : اثنان ، وما قبل الاثنان قال : واحد ، وما قبل الواحد ؟ قال : لاشيء فقلت إذا كان هذا الواحد الحسابي لاشيء قبله فما بالك بالواحد الأحد الحقيقي ، إن الله قديم لاأول لوجوده . ثم قال:إذا كان لدخول الجنة أول فكيف لا يكون لها آخر بل أن أهلها خالدون فيها وأكمل حديثه لعلي عرفت الجواب فقلت أسمعني ، فقال الأرقام الحسابية لها أول وليس لها نهاية وهي باقية للأزل لا تتغير.فقلت أحسنت ثم قال : خيرات الجنة تزداد بالإنفاق منها ولايمكن أن تفنى ، فهل هناك شيء يزداد بالإنفاق منه فقلت له نعم العلم ، كلما أنفقت منه زاد ولم ينقص . ثم قال : قال نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم ) : أننا في الجنة نأكل ولا نتبول فيها ولا نتغوط ، فكيف ذلك فقلت له نعم الطعام والشراب الذي يأكله ويشربه الإنسان في الجنة يخرج من جلده كريح المسك وخذ مثلا : الإنسان يكون في بطن أمه تسعة أشهر أو أقل يتغذى من دماء أمه ولا يتبول ولا يتغوط .. فما قولك الآن ؟ قال : حسنا هناك سؤال يحيرني .. انك تعلم أن عذاب جهنم النار والشيطان مخلوق من نار فكيف يعذب النار بالنار ؟ قلت له : احضر طوبة من طين واضرب بها مخلوقا من البشر ، ألا تقتله أو حتى تؤلمه ، والبشر من طين والطوبة من طين فكيف آلمنا الطين با لطين ، ثم قال : إذا كانت الأمور مقدوره من قبل أن يخلق الكون فما صناعة الله الآن ؟ فقلت : أمور يبديها (1) ولا يبتديها ، يرفع أقواما ويخفض آخرين ، يتوب ويرحم ويستجيب لدعوة السائل ويقهر الظالم ،…ثم قلت : يا هذا إن الله أكبر من أن يقاس بالناس أو يدخل تحت القياس أو تدركه الحواس واستمع لهذا الحديث القدسي الذي قاله رب العزة : أني والأنس والجن في بناء عظيم ،أخلق ويعبد غيري ، وأرزق ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلى صاعد .. أتحبب إليهم بالنعيم وأنا الغني عنهم ، ويبغضون إلي بالمعاصي وهم أحوج شيء الي ..من جاءني منهم تلقيته من بعيد ومن أعرض منهم ناديته من قريب ..أهل ذكري وأهل مجالستي وأهل طاعتي وأهل محبتي وأهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي فان تابوا الي فأنا حبيبهم وطبيبهم فاني أحب التوابين وأحب المتطهرون ، أيعترض الآدمي على ربه وهو مخلوق من نطفة مذرة !
وآخره جيفة قذرة ، وفيما بين هذين يحمل العذرة(2) ، والبرغوث يقلقه ، والشرقة تميته والعرقة تنتنه وقد خرج من مجرى البول مرتين ، مجرى بول أبيه عند الشهوة ومجرى بول أمه عند الوضع.الكبرياء ردائي والعظمة أزراري فمن نازعني واحدة منها كببته في جهنم ولا أبالي.ثم قلت لصديقي : لقد أنزل الله كتابين ، أولهما كتاب صامت وهو الكون وثانيهما كتاب ناطق وهو القرآن ، فاعتبر وتدبر منهما فهما سلاح إلى يوم مشهود. الآن هل من أي استفسار ، قال : لا وشكرا لله الذي بعثك لملاقاتي هنا لتوضع هذه الأمور كي لا يكون هناك أي شك بعد الوسوسة الشيطانية .فقلت له: هل تعلم يا صديقي أنني لا أعرف كيف أجبتك عن هذه التساؤلات ، الحمد لله الذي هداني لهذا ، هذا حوار العمر.
************************


1- يظهرها .
2_ الغائط.



------------------
محمد الفاطمي