مشاهدة النسخة كاملة : شخصية التاريخ
الـوهــف
24-02-2003, 02:36 AM
نسبه الشريف
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وعدنان من نسل إسماعيل عليه السلام.
ولادته ونشأته صلى الله عليه وسلم
ولد يوم الاثنين كما ورد ذلك في صحيح مسلم لما سئل عن صيام يوم الاثنين قال: (( ذاك يوم ولدت فيه )).
في عام الفيل وهو أرجح الأقوال.
وتتفق رواية مسلم مع ابن إسحاق في كون والده مات وهو حمل في بطن أمه.
وفي الصحيحين أن ثويبة مولاة أبي لهم قامت بإرضاعه صلى الله عليه وسلم.كما أرضعته مولاته أم أيمن وقد أعتقها عليه الصلاة والسلام بعد ما كبر.
أما رضاعه من حليمة السعدية في بني سعد فهذا مما استفاض واشتهر، وقد ورد استرضاعه في بني سعد بسند جيد من طريق ابن إسحاق. تقول حليمة السعدية مرضعته لما أخذته من أمه: (( فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي، وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما، وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا أنها لحافل، فحلب منها ما شرب وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً فبتنا بخير ليلة (إلى أن قالت) ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولايجدها في ضرع.. فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير )).
فأنزل الله عليهم البركة في أنفسهم وأموالهم بسبب قيامهم بأمر صفيّه وحبيبه صلى الله عليه وسلم.
كفالته بعد وفاة والدته
وقد ماتت أمه وعمره ست سنوات، فكفله جده عبد المطلب ثم مات بعد سنتين فأوصى به إلى عمه أبي طالب فكفله عمه وحنّ عليه ورعاه.
وقد شب مع عمه أبي طالب تحت رعاية الله وحفظه له من أمور الجاهلية وعادتها السيئة. (( فكان أفضل قومه مروءةً، وأحسنهم خلقاً، وأكرمهم مخالطةً، وأحسنهم جواراً، وأعظـهم حلماً وأمانةً، وأصدقهم حديثاً، وأبعدهم من الفحش والأذى، ما رؤي ملاحياً ولا ممارياً أحداً، حتى سمّاه قومه الأمين، لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة )).
إرهاصات وعلامات نبوته:
وقعت عدة أحداث كانت بمثابة إرهاصات وعلامات ودلالات على نبوته صلى الله عليه وسلم ومنها:
1- تسليم الحجر.
فعن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث. إني لأعرفه الآن )).
2- الرؤيا الصادقة.
أما الرؤيا الصادقة فكما روت عائشة رضي الله عنها أن أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة فكان لايرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح.
3- العزلة والتحنّث.
لقد حبب إليه الخلوة فكان يخرج إلى غار حراء فيتحنّث فيه وهو التعبّدُ اللياليَ ذواتِ العدد. كما في الصحيحين.
وفي التعبّد درس للمسلم والداعية ليستعين بعبادة الله تعالى على مقاومة نزعات النفس، وشهواتها، ومغريات الحياة وأعراضها، ويتحمل مشاقّ الدعوة ومشاكلها وشدائدها، ويصبر على تربية الناس وتوجيههم وما يصدر عنهم من إعراض أو مشاقّة للداعية.
وأترك الباقي للأعضاء لمن أراد أن يشاركنا ويكمل موضوع شخصية التاريخ
ولكن مع مراعاة تسلسل الأحداث في حياته صلى الله عليه وسلم
يعطيك العافية أخوي الوهف ... انا اتابع معااااك أخوي ... بس أعيد آخر فقره للأفاضه والأستزاده أخي العزيز...
التعبد في غار حراء
كانت عند العرب بقايا من الحنيفية التي ورثوها من دين إبراهيم عليه السلام، فكانوا مع -ما هم عليه من الشرك- يتمسكون بأمور صحيحة توارثها الأبناء عن الآباء كابراً عن كابر، وكان بعضهم أكثر تمسكاً بها من بعض، بل كانت طائفة منهم -وهم قلة- تعاف وترفض ما كان عليه قومها من الشرك وعبادة الأوثان، وأكل الميتة، ووأد البنات، ونحو ذلك من العادات التي لم يأذن بها الله، ولم يأت بها شرع حنيف، وكان من تلك الطائفة ورقة بن نوفل و زيد بن نفيل ورسولنا صلى الله عليه وسلم ، والذي امتاز عن غيره صلى الله عليه وسلم باعتزاله الناس للتعبد والتفكُّر في غار حراء، فما هو خبره صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، هذا ما سنقف عليه في المقال التالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأمل منذ صغره ما كان عليه قومه من العبادات الباطلة والأوهام الزائفة، التي لم تجد سبيلاً إلى نفسه، ولم تلق قبولاً في عقله، بسبب ما أحاطه الله من رعاية وعناية لم تكن لغيره من البشر، فبقيت فطرته على صفائها، تنفر من كل شيء غير ما فطرت عليه.
هذا الحال الذي كان عليه صلى الله عليه وسلم دفع به إلى اعتزال قومه وما يعبدون من دون الله، وحبَّب الله إليه عبادته بعيداً عن أعين قومه وما كانوا عليه من عبادات باطلة، وأوهام زائفة، فكان يأخذ طعامه وشرابه ويذهب إلى غار حراء كما ثبت في الحديث المتفق عليه أنه عليه الصلاة والسلام قال: (جاورت بحراء شهراً...) وحراء هو غار صغير في جبل النور على بعد ميلين من مكة، فكان يقيم فيه الأيام والليالي ذوات العدد، يقضي وقته في عبادة ربه والتفكَّر فيما حوله من مشاهد الكون، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك الباطلة، والتصورات الواهية، ولكن ليس بين يديه طريق واضح ولا منهج محدد يطمئن إليه و يرضاه.
وكان اختياره لهذه العزلة والانقطاع عن الناس بعض الوقت من الأسباب التي هيأها الله تعالى له ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم، والمهمة الكبيرة التي سيقوم بها، وهي إبلاغ رسالة الله تعالى للناس أجمعين واقتضت حكمة الله أن يكون أول ما نزل عليه الوحي في هذا الغار.
فهذا ما كان من أمر تعبده صلى الله عليه وسلم، واعتزاله قومه وما كانوا عليه من العبادات والعادات، وقد أحاطه الله سبحانه بعنايته ورعايته، وهيأ له الأسباب التي تعده لحمل الرسالة للعالمين. وهو في حاله التي ذكرنا ينطبق عليه قوله تعالى في حق موسى عليه الصلاة والسلام {ولتصنع على عيني} (طه:39)إنه الإعداد لأمر عظيم تنوء الجبال بحمله، إنها الأمانة التي كان يُعدُّ لحملها إلى الناس أجمعين، ليكون عليهم شهيداً يوم القيامة،تحقيقاً لقوله تعالى {وجئنا بك شهيداً على هولاء} (النحل:89)
المشاركة في حياة أهل مكة
اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن جعل أنبيائه ورسله بشراً كسائر البشر، إلا ما اختصهم به سبحانه من أمور تتطلبها طبيعة رسالتهم السماوية التي كلفوا بحملها.
ومع أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان أفضل خلق الله وأكرمهم عليه، إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان كغيره من البشر، يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق ، ويعمل الأعمال التي يحتاج إليها الناس في حياتهم، ولا يستقيم أمرهم إلا بها.
وفي مقالنا هذا نحاول أن نقف على بعض أعماله التي كان يقوم بها صلى الله عليه وسلم لنستشف منها ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من فاعلية ومشاركة لأبناء قومه في أفراحهم وأتراحهم .
وأول ما يستوقف القارئ لسيرته صلى الله عليه وسلم ما نقلته لنا كتب السيرة من أنه صلى الله عليه وسلم كان في مرحلة شبابه يرعى الغنم لأهل مكة ، فعند البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما بعث الله نبيناً إلا ورعى الغنم، فقال الصحابة رضي الله عنهم: حتى أنت يا رسول الله ؟ قال نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) والقراريط جمع قيراط، وهو جزء من الدينار.
وكان صلى الله عليه وسلم يشارك قومه في ندواتهم واجتماعاتهم التي يعقدونها لبحث القضايا المهمة، فشارك صلى الله عليه وسلم فيما سمي بـ ( حلف الفضول) وقال عنه كما في "مسند" أحمد : ( شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت إليه في الإسلام لأجبت ) والحديث صححه الألباني .
وقد تم التعاقد في هذا الاجتماع والتعاهد على حماية المظلومين ودفع الظلم عنهم، وقد مدح صلى الله عليه وسلم هذا الحلف -كما جاء في الحديث - لأنه لا يدعو إلى حمية الجاهلية الأولى، وإنما إلى نصرة المظلومين، ومن كان في معناهم.
وشارك صلى الله عليه وسلم مع بني قومه في بناء الكعبة بعد أن جرفها السيل، ففي البخاري من حديث جابر أنه قال ( لما بنيت الكعبة ذهب النبي صلى الله عليه وسلم والعباس ينقلان الحجارة ) .
ومن مشاركته صلى الله عليه وسلم هنا أنه أشار على قومه - بعد أن اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود في مكانه - أشار عليهم أن يبسطوا رداء ويضعوا الحجر عليه ، ثم تحمله كل قبيلة من زاوية من زواياه، ثم يتولى هو وضعه في مكانه، وبذلك منع نزاعاً كاد ينشب بينهم .
ثم كان من أعماله صلى الله عليه وسلم التي قام بها تجارته في بعض أموال قريش، وخرج إلى الشام متاجراً في مالٍ لخديجة رضي الله عنها ..
والحق إن سيرته صلى الله عليه وسلم غنية بأمثال هذه المشاركات والأعمال التي إن دلت على شيء فإنما تدل على مدى فاعليته وإيجابيته في مجتمعه، حيث إنه شاركهم في أحوالهم كافة، إلا ما كان من أعمالهم التي لا تقرها فطرته السليمة التي حفظها الله له. وهكذا فقد شاركهم في حربهم وسلمهم ، وأفراحهم وأتراحهم ، يعاني ما يعانون، ويقاسي ما يقاسون، وكأنَّ الله سبحانه كان يعده لأمر عظيم ولغاية أسمى، فجعل الله له المكانة في قومه، وحببه إلى قلوب الناس، وجعل له المهابة والاحترام، حتى أطلقوا عليه وصف "الأمين" وذلك لأمانته وصدق تعامله مع أبناء مجتمعه، فصلى الله عليه وسلم، وجعلنا الله من المسترشدين بسيرته وهديه. فجزاه الله عن أمته وعن العالمين خير الجزاء، وجمعنا معه تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله، والحمد لله رب العالمين.
الحاكم بأمر الله
إن الله تعالى يخلق ما يشاء ويختار {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَار} (القصص:68) خلق الإنسان وفضل بعضه على بعض، وخلق الزمان وفضل بعضه على بعض، وخلق المكان وفضل بعضه على بعض، ومن الأماكن التي اختارها سبحانه وفضلها على سائر بقاع الأرض، مكة المكرمة، التي فيها البيت العتيق، وهو أول بيت وضع للناس، وقد حرسه الله وحماه وأحاطه برعايته ورد عنه كيد المجرمين، ومن ذلك حادثة الفيل المشهورة التي سجل الله وقائعها في القرآن الكريم فما خبر هذه الواقعة ؟ هذا ما سنقف عليه في هذه الأسطر :
ذكرت كُتب السيرة أن أبرهة الحبشي كان نائباً للنجاشي على اليمن، فرأى العرب يحجون إلى الكعبة، ويعظمونها، فلم يرق له ذلك، وأراد أن يصرف الناس عنها،فبني كنيسة كبيرة بصنعاء ، ليحج الناس إليها بدلاً من الكعبة، فلما سمع بذلك رجل من بني كنانة دخل الكنيسة ليلاً، فبال وتغوط فيها ، فلما علم أبرهة بذلك سأل عن الفاعل فقيل له، صنع هذا رجل من العرب من أهل البيت الذي تحج العرب إليه بمكة ، فغضب أبرهة وحلف أن يذهب إلى مكة ليهدمها، فجهَّز جيشاً كبيرا، وأنطلق قاصداً البيت العتيق يريد هدمه، وكان من جملة دوابهم التي يركبون عليها الفيل-الذي لا تعرفه العرب بأرضها- فأصاب العرب خوفٌ شديد،ٌولم يجد أبرهة في طريقه إلا مقاومة يسيرة من بعض القبائل العربية التي تعظم البيت، أما أهل مكة فقد تحصنوا في الجبال ولم يقاوموه.
وجاء عبد المطلب يطلب إبلاً له أخذها جيش أبرهة، فقال له أبرهة: كنتَ قد أعجبتني حين رأيتُك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني ، أتكلمني في مائتي بعير أخذتها منك، وتترك بيتاً هو دينك ودين آبائك، قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه ! قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل ، وإن للبيت رباً يحميه، فقال أبرهة: ما كان ليمتنع مني ، قال عبد المطلب : أنت وذاك.وأنشد يقول:
لاهُمَّ إن العبد يمنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبنَّ صليبهم ومحالهم غدواً محالك
إن كنتَ تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك
فلما أصبح أبرهة عبأ جيشه، وهيأَ فيله لدخول مكة ، فلما كان في وادي محسر-بين مزدلفة ومنى- برك الفيل، وامتنع عن التقدم نحو مكة ، وكانوا إذا وجهوه إلى الجنوب، أو الشمال ، أو الشرق،انقاد لذلك، وإذا وجهوه للكعبة برك وامتنع، وبينما هم على هذه الحالة ، إذ أرسل الله عليهم طيراً أبابيل -ومعنى أبابيل يتبع بعضها بعضاً- مع كل طائر ثلاثة أحجار، حجر في منقاره وحجران في رجليه، لا تصيب منهم أحداً إلا تقطعت أعضاؤه ، وهلك.
أما أبرهة فقد أصابه الله بداء، تساقطت بسببه أنامله، فلم يصل إلى صنعاء إلا وهو مثل فرخ الحمام، وانصدع صدره عن قلبه فهلك شر هلكة.وقد أخبر الله تعالى بذلك في كتابه فقال: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول.} (سورة الفيل)
وقد حدثت هذه الواقعة في شهر المحرم قبل مولد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين يوما تقريبا .وهو يوافق فبراير سنة 571م.
ووقعت في ظروف ساعدت على وصول خبرها إلى معظم أرجاء المعمورة المتحضرة في ذلك الزمن ، فالحبشة كانت ذات صلة قوية بالرومان ، والفرس لهم بالمرصاد يترقبون ما ينزل بهم وبحلفائهم، وهاتان الدولتان كانتا تمثلان العالم المتحضر في ذلك الزمان. فلفتت هذه الواقعة أنظار العالم إلى شرف هذا البيت ومكانته، وأنه هو البيت الذي اصطفاه الله تعالى للتقديس.
وفي الختام: ننبه إلى أن الله تعالى ناصر دينه الحق، وحامي بيته من أعدائه-مهما كانت قوتهم وجبروتهم-بما شاء من جنوده التي لا يعلمها إلا هو {وما يعلم جنود ربك إلا هو} ومن يغالب الله يُغلَب، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف: 21) والحمد لله رب العالمين
عبد المطلب جد رسول الله ( وسوف نسهب قليلً وهي من ضمن النقاط التيعلق عليها أخي الوهف)
قال ابن إسحاق : وكان عبد المطلب من سادات قريش ، محافظاً على العهود ، متخلقاً بمكارم الأخلاق ، يحب المساكين ، ويقوم في خدمة الحجيج ، ويطعم في الأزمات ، ويقمع الظالمين ، وكان يطعم حتى الوحوش والطير في رؤوس الجبال ، وكان له أولاد أكبرهم الحارث ، توفي في حياة أبيه ، وأسلم من أولاد الحارث : عبيدة قتل ببدر ، وربيعة ، وأبو سفيان ، وعبد الله . ومنهم : الزبير بن عبد المطلب شقيق عبد الله ، وكان رئيس بني هاشم وبني المطلب في حرب الفجار ، شريفاً شاعراً ، ولم يدرك الإسلام وأسلم من أولاده . عبد الله واستشهد بأجنادين ، وضباعة ، ومجل ، وصفية ، وعاتكة . وأسلم منهم حمزة بن عبد المطلب ، والعباس . ومنهم : أبو لهب مات عقيب بدر ، وله من الولد : عتيبة الذي دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله السبع . وله عتبة ، ومعتب، أسلما يوم الفتح .ومن بناته : البيضاء أم حكيم ، تزوجها كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس ، فولدت له عامراً وأروى، فتزوج أروى عفان بن أبي العاص بن أمية، فولدت له عثمان ، ثم خلف عليها عقبة بن أبي
معيط ، فولدت له الوليد بن عقبة، وعاشت إلى خلافة ابنها عثمان ، ومنهن : برة بنت عبد المطلب ، أم أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي . ومنهن : عاتكة أم عبد الله بن أبي أمية ، وهي صاحبة المنام قبل يوم بدر ، واختلف في إسلامها . ومنهن : صفية أم الزبير بن العوام ، أسلمت وهاجرت . وأروى أم آل جحش - عبد الله وأبي أحمد ، وعبيد الله وزينب ، وحمنة . وأم عبد المطلب : هي سلمى بنت عمرو بن زيد من بني النجار ، تزوجها أبوه هاشم بن عبد مناف ، فخرج إلى الشام - وهي عند أهلها ، قد حملت بعبد المطلب- فمات بغزة . فرجع أبو رهم بن عبد العزى وأصحابه إلى المدينة بتركته .
وولدت امرأته سلمى : عبد المطلب ، وسمته شيبة الحمد ، فاقام في أخواله مكرماً . فبينما هو يناضل الصبيان ، فيقول : أنا ابن هاشم ، سمعه رجل من قريش ، فقال لعمه المطلب : إني مررت بدور بني قيلة ، فرأيت غلاماً يعتزي إلى أخيك ، وما ينبغي ترك مثله في الغربة ، فرحل إلى المدينة في طلبه ، فلما رآه فاضت عيناه ، وضمه إليه ، وأنشد شعراً : عرفت شيبة والنجار قد جعلت أبناءها حوله بالنبل تنتضل عرفت أجــلاده فيـنا وشــيمتـه فـفاض مني عليه وابل هطـل فأردفه على راحلته ، فقال : يا عم ، ذلك إلى الوالدة . فجاء إلى أم ه ، فسألها أن ترسل به معه ، فامتنعت . فقال لها : إنما يمضي إلى ملك أبيه ، وإلى حرم الله . فأذنت له . فقدم به مكة ، فقال الناس : هذا عبد المطلب ، فقال : ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم . فأقام عنده حتى ترعرع ، فسلم إليه ملك هاشم من أمر البيت ، والرفادة، والسقاية ، وأمر الحجيج ، وغير ذلك .
وكان المطلب شريفاً مطاعاً جواداً ، وكانت قريش تسميه الفياض لسخائه ، وهو الذي عقد الحلف بين قريش وبين النجاشي ، وله من الولد : الحارث ، ومخرمة ، وعباد ، وأنيس ، وأبو عمر ، وأبو رهم ، وغيرهم . ولما مات وثب نوفل بن عبد مناف على أركاح شيبة ، فغصبه إياها ، فسأل رجالاً من قريش النصرة على عمه ، فقالوا : لا ندخل بينك وبين عمك . فكتب إلى أخواله من بني النجار أبياتاً ، منها : يا طــول ليلـي لأحزاني وأشغــالي هل من رسول إلى النجار أخوالي بنـــي عــــدي ودينـــار ومازنـــها ومالك عصمة الحيران عن حـــالي قد كنت فيهم وما أخشى ظلامة ذي ظلم عزيزاً منيــــعاً ناعــم البـــال حتى ارتحلت إلى قومي وأزعجني لــذاك مطلب عمــي بترحـــــالـــي فغاب مطـلـب في قعـر مظــلـمـة ثم انبــرى نوفــل يعـدو على مـــالي لــمــا رأى رجـــلاً غابت عمــومــته وغاب أخـــواـله عنـه بلا والــــي فاستنفروا وامنعـوا ضيم ابن أختكم لا تخـــذلوه فمـــا أنتم بخــذالي فلما وقف خاله أبو سعد بن عدي بن النجار على كتابه بكى ، وسار من المدينة في ثمانين راكباً ، حتى قدم مكة. فنزل بالأبطح، فتلقاه عبد المطلب ، وقال : المنزل يا خال ، فقال : لا والله حتى ألقى نوفلاً ، فقال : تركته بالحجر جالساً في مشايخ قومه ، فأقبل أبو سعد حتى وقف عليهم ، فقام نوفل قائماً ، فقال : يا أبا سعد ، أنعم صباحاً . فقال : لا أنعم الله لك صباحاً ، وسل سيفه ، وقال : ورب هذا البيت ، لئن لم ترد على ابن أختي أركاحه لأمكنن منك هذا السيف . فقال : رددتها عليه . فأشهد عليه مشايخ قريش . ثم نزل على شيبة ، فأقام عنده ثلاثاً ، ثم اعتمر ورجع إلى المدينة ، فقال عبد المطلب : ويأبى مازن وأبـو عدي ودينـــار بن تيــم الله ضيــمــي بهم رد الإله علي ركحي وكانوا في انتساب دون قومي فلما جرى ذلك حالف نوفل بني عبد شمس بن عبد مناف على بني هاشم ، وحالفت بنو هاشم خزاعة على بني عبد شمس ونوفل، فكان ذلك سبباً لفتح مكة ، كما سيأتي . فلما رأت خزاعة نصر بني النجار لعبد المطلب ، قالوا : نحن ولدناه كما ولدتموه ، فنحن أحق بنصره، وذلك أن أم عبد مناف منهم. فدخلوا دار الندوة وتحالفوا وكتبوا بينهم كتاباً .
أبو طالب عم رسول الله
وأما أبو طالب : فهو الذي تولى تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد جده كما تقدم ، ورق عليه رقة شديدة ، وكان يقدمه على أولاده . قال الواقدي : قام أبو طالب -من سنة ثمان من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السنة العاشرة من النبوة ثلا وأربعين- يحوطه ويقوم بأمره ، ويذب عنه ، ويلطف به . وقال أبو محمد بن قدامة : كان يقر بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وله في ذلك أشعار . منها : ألا أبلغا عني على ذات بيننا لؤياً وخصا من لوي بني كعـب بأنا وجدنا في الكتاب محمداً نبياً كموسى خط في أول الكتب وأن عليه في العباد محبة ولا خير ممن خصه الله بالحـب ومنها : تعلم خيار الناس أن محمداً وزيراً لموسى والمسيح ابن مريم فلا تجعلوا لله نداً وأسلموا فإن طريق الحق ليس بمظلم ولكنه أبى أن يدين بذلك خشية العار ، ولما حضرته الوفاة : دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم -وعنده أبو جهل ، وعبد الله بن
أبي أمية- فقال : يا عم ! قل : لا إله إلا الله ، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل صلى الله عليه وسلم يرددها عليه ، وهما يرددان عليه حتى كان آخر كلمة قالها : هو على ملة عبد المطلب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله تعالى : ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، ونزل قوله تعالى : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء الآية . قد ابن إسحاق : وقد رثاه ولده علي بأبيات ، منها : أرقت لطير آخر الليل غردا يـذكرني شجـواً عظــيماً مجددا أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى جواداً إذا ما أصدر الأمر أوردا فأمست قريش يفرحون بمـــوته ولســـت أرى حياً يكون مخلداً أزادوا أموراً زيفتها حلومهم ستوردهم يوماً من الغي موردا يرجـون تكذيب النبي وقتله وأن يفترى قدماً عليه ويجحدا كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم صدور العوالي والحسام المهندا خلف أبو طالب أربعة ذكور وابنتين . فالذكور : طالب ، وعقيل ، وجعفر ، وعلي ، وبين كل واحد عشر سنين . فطالب أسنهم ، ثم عقيل ، ثم جعفر ، ثم علي . فأما طالب : فأخرجه المشركون يوم بدر كرهاً ، فلما انهزم الكفار طلب ، فلم يوجد في القتلى ، ولا في الأسرى ، ولا رجع إلى مكة ، وليس له عقب . وأما عقيل : فأسر ذلك اليوم ، ولم يكن له مال . ففداه عمه العباس ، ثم رجع إلى مكة . فأقام بها إلى السنة الثامنة ، ثم هاجر إلى المدينة . فشهد مؤتة مع أخيه جعفر ، وهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : وهل ترك لنا عقيل من منزل .
واستمرت كفالة أبي طالب لرسول الله صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا - . فلما بلغ اثنتي عشرة سنة -وقيل : تسعاً- خرج به أبو طالب إلى الشام في تجارة ، فرآه بحيرى الراهب ، وأمر عمه أن لا يقدم به الشام ، خوفاً عليه من اليهود ، فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة . ووقع في الترمذي : إنه بعث معه بلالاً ، وهو غلط واضح . فإن بلالاً إذ ذاك لعله لم يكن موجوداً .
وبأذن الله تعالى مع وجود أخي الوهف سوف نتطرق إلى المواضيع التالية حسب التسلسل الزمني لها ... وبأسهاب مفصل أن شاء الله تعالى
بيعة العقبة الأولى
البعثــة النبويــة
بيعة العقبة الثانيه
الصبر على أذى المشركين في المرحلة المكية
المقاطعة الاقتصادية
الإسراء والمعراج
عرض الرسول نفسه على القبائل
رحلة الطائف
عام الحزن
أساليب قريش لمواجهة الدعوة
إسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما
دار الأرقم ودورها في الدعوة
الهجرة الثانية للحبشة
الهجرة الأولى إلى الحبشة
مرحلة الدعوة الجهرية
الحاكم بأمر الله
قبل بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم كانت البشرية تعيش في ضلالات الجهل والشرك والإلحاد ، وكانت العرب جزءاً من تلك البشرية الغارقة في الانحطاط ، والتي تحتاج إلى من ينقذها وينتشلها مما هي فيه .
كان الجهل فاشياً ، والظلم جاثماً ، والفوضى ضاربة بأطنابها في كل مكان ، حقوق مسلوبة ، وأعراض منتهكة ، وحياة بغير نظام ولا قانون ، ولا تشريع ولا تنظيم ، سوى بعض العادات ، والأعراف القبلية .
كان الأمن مفقوداً ، والسلب والنهب أمراً معهوداً ، حياة لا أمان فيها ، ولا استقرار ، فالمقيم مهدد بالضرر ، والمسافر في وجل وخطر .
كان القتل ، والنهب ، واعتداء القوي على الضعيف ، وكانت الحروب تنشأ لأتفه الأسباب ، فتزهق النفوس ، وترمل النساء ، وييتم الأطفال .
في ظل هذه الظروف وتلك الأوضاع ، وبعد فترة من انقطاع الرسل بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، على رأس الأربعين من عمره ؛ حيث جاءه جبريل وهو في غار حراء بأول ما نزل من القرآن ، فقرأ عليه قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك الذي خلق } (العلق :1) ، ثم توالى نزول القرآن - الكتاب الخاتم - وبدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- دعوته على مراتب خمس كما ذكر ذلك ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "زاد المعاد" : المرتبة الأولى : النبوة ، والثانية : إنذار عشيرته الأقربين ، والثالثة : إنذار قومه ، والرابعة : إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله ، وهم العرب قاطبة ، والخامسة : إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر .
فقام بمكة ثلاث سنوات يدعو إلى الله سراً ، ثم جهر بالدعوة بعد نزول قول الله تعالى : { فاصدع بما تؤمرُ وأعرض عن المشركين } (الحِجِر :94).
لقد كانت بعثته -صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين ، كما أخبر بذلك أصدق القائلين : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (الأنبياء :107) ، وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال : ( إنما أنا رحمة مهداة ) رواه الحاكم في "المستدرك" ، و البيهقي في شعب الإيمان ، وصححه الألباني .
فمن آمن به وصدقه ، فاز فوزاً عظيماً ، قال تعالى : {ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً } (الأحزاب :71) .
ومن أعرض عن هدايته فقد ضل ضلالاً بعيداً ، وخسر في الدنيا والآخرة ، قال تعالى : {ومن أعرض عن ذكري فإنَّ له معيشةً ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه :124).
كانت دعوته إلى الإيمان بالله وحده وعدم الشرك به ، وإلى الفضيلة والرشد ، وإلى الأمانة والصدق ، دعوة إلى الخير بكل أنواعه ، وتحذيراً من الشر بكل أصنافه .
إنَّ بعثته - صلى الله عليه وسلم- كانت ميلاداً جديداً للبشرية ، وتاريخاً عظيماً للإنسانية ، قال تعالى : { قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون} (الأعراف :158).
فببعثته كَمُلَ للبشرية دينها ، وتم للإنسانية نعيمها ، قال تعالى : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } (المائدة :3) .
فكان الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده جميعاً ، ولن يقبل الله من أحدٍ ديناً سواه ، قال تعالى: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} (آل عمران : 85).
فالحمد لله على نعمة الإسلام، والإيمان ، والقرآن ، والحمد لله على نعمة الطاعة ، واتباع خاتم الأنبياء والمرسلين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
بيعة العقبة الأولى
كان من الوسائل التي انتهجها صلى الله عليه وسلم في سبيل تبليغ دعوته عَرْض نفسه في موسم الحج على قبائل العرب التي تتوافد إلى البيت الحرام، يتلو عليهم كتاب ربهم ويدعوهم إلى توحيده، شعاره في سبيل ذلك: ( يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذل لكم العجم ) فلا يستجيب له أحد، ويردون عليه أقبح الرد ويؤذونه أشد الأذى.
وتروي كتب السيرة أنه صلى الله عليه وسلم في السنة الحادية عشرة من البعثة عَرَض نفسه على القبائل - على عادته صلى الله عليه وسلم كل عام - فاستجاب له ستة نفرٍ من الخزرج، فدعاهم إلى الإسلام وتلا عليهم القرآن الكريم، ثم انصرفوا ووعدوه المقابلة في الموسم القادم.
ولما كان العام المقبل وافى الموسم اثنا عشر رجلاً من الأنصار، فاجتمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على الإسلام. وقد روى البخاري في "صحيحه" نص هذه البيعة فيما رواه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصونِ في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه} قال عبادة رضي الله عنه: " فبايعناه على ذلك ". ثم أرسل معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقهم في دينهم.
ولنا مع هذه البيعة وقفات سريعة، نُجملها في الآتي:
- الوقفة الأولى في هذه البيعة أن الذين استجابوا لله وللرسول كانوا من خارج قريش. ولعل في ذلك حكمة إلهية، وهي أن تسير الدعوة الإسلامية في سبيل لا تدع أي شك للمتأمل في طبيعتها ومصدرها حتى يسهل الإيمان بها، ولا يقع أي التباس بينها وبين غيرها من الدعوات الأخرى. ولأجل هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، ومن أجل هذا أيضًا بُعث في أمة أمِّيَّة.
- الوقفة الثانية أن الله عز وجل قد مهد حياة المدينة وبيئتها لقبول الدعوة الإسلامية، وكان هذا مما هيأه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم - كما يقول ابن القيم -حتى يمهد بذلك لهجرته إلى المدينة، حيث اقتضت حكمته تعالى أن تكون تلك البقعة هي المنطلق الأساس للدعوة الإسلامية في أرجاء الأرض كلها.
- والوقفة الثالثة أن مبايعة أولئك النفر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن مجرد نطق بالشهادتين فحسب، بل كانت منهجاً عملياً وسلوكًا فعليًّا لما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس المهم في الأمر النطق بالشهادتين وكفى، بل لا بد أن يصاحب ذلك النطقَ عملٌ يصدق ذلك، وممارسة تترجم تلك الشهادة في واقع الحياة. أليس يقول سبحانه في محكم كتابه مخاطبًا عباده المؤمنين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُون}َ (الصف:2).
وفي بيان هذه الحقيقة والتحذير من فهم الإسلام على أنه مجرد كلمات تقال وطقوس تمارس، يقول سبحانه في حق أهل الكتاب مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِه} (النساء:60).
- وأخيرًا من الدلالات التي نستفيدها من هذه البيعة، بَعْثُه صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى المدينة لتعليم أهلها أمر دينهم، وتلبية مصعب لذلك وقيامه به خير القيام، ووجه الدلالة هنا أن مهمة الدعوة الإسلامية ليست وقفًا على الرسل والأنبياء وحسب، ولا على الخلفاء وورثتهم من العلماء، بل إن تبليغ الدعوة جزء لا يتجزأ من حقيقة الإسلام نفسه، فلا مناص ولا مفر لكل مسلم إذًا من القيام بهذا قَدْر وسعه، إذ حقيقة الدعوة في المحصلة إنما هي "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فعلى كل مسلم أن يكون على ثغرة من ثُغور الإسلام. ومن هنا نعلم - أو ينبغي أن نعلم - أنه لا معنى لكلمة "رجال الدين" في المجتمع الإسلامي، وذلك أن كل من دخل الإسلام فقد بايع الله ورسوله على الجهاد من أجل هذا الدين، فليس في الإسلام رجل دين، وإنما المسلمون كلهم رجال لهذا الدين...نسأل الله أن يجعلنا من رجال دينه العاملين، ومن الذين صدقوا والتزموا ما عاهدوا الله عليه...والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين.
لقد أحدث تقدم الاسلام في يثرب هيجاناً كبيراً وشوقاً عجيباً في نفوس المسلمين من أهلها، فكانوا ينتظرون بفارغ الصبر حلول موسم الحجّ، ليقدموا مكة، ويلتقوا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله عن كثب، ويُظهروا له استعدادهم لتقديم ما يطلبُ منهم من خدمةٍ وعملٍ، وليستطيعوا توسيع نطاق البيعة من حيث الكَمّ ومن حيث الكيف.
وأخيراً حلّ موسم الحجّ فخرجت قافلة كبيرة من أهل يثرب للحجّ تضمّ خمسمائة نفر فيهم ثلاث وسبعون من المسلمين من بينهم امرأتان، والباقي إِما راغبون في الاسلام، واما غير مكترث به، حتى قدموا مكّة، والتقوا برسول اللّه
صلّى اللّه عليه وآله فواعدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله بالعقبة للبيعة اذ قال : «موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريف».
فلما كانت الليلة الثالثة عشرة من شهر ذي الحجة وهي التي واعدهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فيها باللقاء، ونام الناس حضر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع عمّه «العباس بن عبد المطلب» قبل الجميع، وخرج المسلمون من رحالهم يتسلّلون تسلل القطا مستخفين بعد أن ناموا مع قومهم في رحالهم، ومضى ثلث الليل لكي لا يحسّوا بخروجهم، حتى اجتمعوا في الشعب عند العقبة، ولما استقرّ المجلس بالجميع، كان أوّل متكلم هو : العباس بن عبد المطلب فقال واصفاً منزلة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي هذا الحي من الانصار الخزرج خزرجها وأوسَها - إِنّ محمّداً مِنّا حيث قد علمتم، وقد منعناهُ من قومنا، فهو في عزّ من قومه، ومنعة في بلده، وإِنّه قد أبى إِلا الإنحياز اليكم، واللُحوق بكم، فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إِليه، ومانعوه ممّن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإِن كنتم ترون أنكم مُسلِمُوهُ وخاذِلُوهُ بعد الخروج به إِليكم، فمن الآن فدعوهُ فانه في عِزّ ومنعةٍ من قومه وبلده.
فقال الحضور : قد سمعنا ما قلت فتكلّم يا رسول اللّه، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلمَ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله فتلا القرآن ودعا إِلى اللّه ورغّب في الاسلام، ثم قال : اُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فقام البراء بن معرور وأخذ بيد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقال : نعم والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعنَّك مما نمنع منه اُزُرنا فبايعنا يا رسول اللّه فنحن واللّه
ابناء الحروب واهل الحلقة (اي السلاح) ورثناها كابراً عن كابر.
فدب في الحضور حماس وسرور عظيم وتعالت الاصوات والنداءات من الخزرجيين والتي كانت تعبيراً عن شدة حماسهم، وسرورهم لهذا الأمر، فقال العباس وهو آخذ بيد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله.
وفي هذا الاثناء نهض «البراء بن معرور» و«أبو الهيثم بن التيهان» و«أسعد بن زرارة» من مواضعهم وبايعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثم بايعه بقية القوم جميعاً.
وقد قال ابن التيهان عند مبايعته للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله يا رسول اللّه إن بيننا وبين الرجال (اي اليهود) حبالاً (وعلاقات) وإِنا قاطعوها، فهل عسيت إِن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه، أن ترجعَ إِلى قومك وتدعنا ؟
فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ثم قال : «بل الدم الدم، والهدم الهدم احارب من حاربتم واسالم من سالمتم» يعني أنه سيبقى على العهد، ولا يتركهم وكانت العرب تقول عند عقد الحلف : دمي دمُك، وهدمي هدمُك، وهي كناية عن البقاء على العهد واحترام الميثاق والحِلف.
ثم ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله قال : أخرجُوا إِليّ منكم إِثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم
فأخرَجوا منهم اثني عشر نقيباً فقال صلّى اللّه عليه وآله لاولئك النقباء : «انتم على قومكم بما فيهم كُفلاء ككفالة الحواريّين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي (يعني المسلمين) فاُبايعُكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم».
فقالوا : نعم وبايعوه على ذلك.
وكان النقباء الذين اختيروا لذلك تسعةً من الخزرج وثلاثةً من الأوس وقد ضُبِطَت أسماؤهم وخصوصياتهم في التاريخ.
الحاكم بأمر الله
__________________________
والتي جاء ذكرها في الآية 12 من سورة الممتحنة.
السيرة النبوية : ج 1 ص 434، بحار الأنوار : ج 19 ص 25.
في هذه البيعة انها كانت بيعة للدفاع عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وليس بيعة للجهاد في سبيل اللّه، ولهذا فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله لم يقدم على القتال في بدر إِلا بعد ان كتب موافقة الانصار ورضاهم.
الحمد لله الذي منّ على عباده المؤمنين بالأجور والحسنات ، فهم في النعمة شاكرون ينالون أجراً ، وفي الأذى صابرون ينالون أجراً ، إنهم في الخير أبداً - شاكرين وصابرين - ثم إن للصبر قيمة كبيرة ، وموقعا جليلا في الإسلام ، وأكثر أعمال الإسلام وفرائضه لها أجر محدود ، إلا الصبر فإن أجره غير محصور ولا محدود ، قال تعالى : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب} (الزمر: 10)
من أجل ذلك نجد القرآن يحض على الصبر والمصابرة، ويجعل من الصبر ركيزة أساسية، وعاملا حاسما لإقامة الدين في النفس وعلى الأرض ، قال تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200) ، ولأجل أن الصبر بهذه المنزلة من الدين ، فقد كان سمة ظاهرة للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم ، تجلت بصورة كبيرة في مرحلة الدعوة الأولى - المرحلة المكية - ، فقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، بشتى أنواع العذاب المعنوي والمادي، ولكنهم تجاوزوا كل ذلك بعزيمة لا تقهر، وصبر أكيد.
فقد واجه المشركون الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته بالأذى المعنوي، والدعاية المغرضة ، فقد سخروا منه ومن رسالته، فأشاعوا عنه أنه مجنون {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر:6)، ورموه بالسحر والكذب {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (صّ:4)، واستهزءوا بأصحابه فقالوا {أ َهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} (الأنعام: من الآية53)، وجعلوهم مثارا للغمز والضحك {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وإذا مروا بهم يتغامزون} ( المطففين:29 ،30)، وسعوا لتشويه حقيقة القرآن، وإثارة الشبهات حوله، فتارة يقولون : ما هو إلا قصص وأساطير السابقين ، {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الفرقان:5)، وتارة يقولون: تعلمه من علماء البشر كما أخبر القرآن عنهم : {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} (النحل:103)، ومرة أخري يحاولون صد الناس عن سماع القرآن والتشويش عليهم {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت:26).
أما الأذى المادي ، فقد تجرأ المشركون على شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، وضايقوه،وجعلوا يرمون في بيته الأوساخ ، بل إن بعضهم وضع على ظهره الشريف أمعاء وأحشاء الإبل وهو ساجد لله بجوار الكعبة.
أما العصبة المؤمنة ، فقد ذاقت صنوفا من العذاب الشديد ، فمنهم من وضع في الرمضاء تحت شمس مكة المحرقة ، ومنهم من منع الطعام والشراب ، ومنهم من وضع عليه الصخر والحجر، وكان شعاره : أحد - أحد، ومنهم من استشهد تحت وطأة التعذيب، وكانت المحاصرة والمقاطعة في شعب أبي طالب ثلاث سنوات كاملة.
كل هذا ما كان ليصد هذه الفئة المؤمنة عن طريق الحق، بل هي صابرة محتسبة مستعلية بدينها وعقيدتها ، تتخذ من رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة ، مستعينة على الأذى بعدة الإيمان الكامل ، ووعد الله للصابرين بالأجر الكبير، لقد كان لصبر هذه الفئة - في الفترة المكية - نتائج كبيرة ، فقد انتصر الدين، وانتشر الحق، وفاضت العدالة ، وأتم الله عليهم نعمته ، وشتت عدوهم ،جزاء صبرهم واحتسابهم .نسأل الله أن يرزقنا صبراً على الحق، وصبراً عن الباطل .
المقاطعة الاقتصادية
إن من سنن الله الكونية الصراع بين الحق والباطل، فهو أمر مستمر وأينما وُجد الحق قامت رؤوس الباطل لإزهاقه وإطفائه، {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف:8). فالحق مُمْتَحن ولكنه منصور بإذن الله، ولو وقف أهل الباطل في وجهه حيناً من الزمن. وقد وقف المشركون في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته، وما تركوا وسيلة لحربه إلا سلكوها، فقد سلكت قريش ومن تابعها -ضمن خططها الجاهلية- أساليب دنيئة يترفع عنها الإنسان -جنس الإنسان-، لكن مَنْ قال إن الجاهلية تعرف للإنسانية معنى ؟ أو تحفظ عهداً أو ترعى ذمة.
فمن طرق الحرب التي سلكها المشركون ضد المسلمين، الحصار الاقتصادي، فقد تمخض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبر المسلمين ومن يرضى بدينهم، أو يعطف عليهم، أو يحمى أحداً منهم، حزباً واحداً دون سائر الناس، ثم اتفقوا فيما بينهم على أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم ولا يجالسوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، وكتبوا بذلك صحيفة فيها عهد وميثاق " أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحاً أبداً، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل ". وقد فعلوا ذلك في الوقت الذي كانت فيه العرب عامة وقريش خاصة تتغنى بالكرم والجود والبذل والعطاء، وتعتبر هذه الخصلة من مواطن الفخر والمنافسة والسباق، ولكن لماَّ تمكن الحقد من قلوبهم، وسرى الغل في نفوسهم، نسوا كل هذه المعاني التي تعارفوا عليها، وأصبح الذين يطعمون الضيفان، ويلتمسون المحتاجين، يبخلون بالحقوق على قرابتهم وجيرانهم، فقطعوا الأرحام وأجاعوا الأطفال والنساء، ونُزعت من صدورهم كل معاني الإنسانية.
فاضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى الاحتباس في شِعب بني هاشم، وانحاز إليهم بنو المطلب كافرهم ومسلمهم عدا أبا لهب، فقد انحاز لقريش في خصومتها لقومه . وضيَّق المشركون الخناق على المسلمين، وقطعوا عنهم المؤن، ونفد الطعام حتى بلغ بهم الجهد والتعب أقصاه، وسُمع بكاء أطفالهم من وراء الشعب، حتى رثى لحالهم بعض خصومهم .
وكان الصحابة المحاصرون إذا جاءت عير إلى مكة، يأتي أحدهم السوق ليشتري قوتاً لعياله، فيقول أبو لهب للتجَّار : يا معشر التجَّار غالوا على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حتى لا يدركوا معكم شيئاً، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم، فيزيد التجَّار عليهم في قيمة السلعة أضعافاً مضاعفة، فيرجع أحدهم إلى أطفاله من غير شئ، وهم يصرخون من الجوع، قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "خرجت ذات ليلة لأبول فسمعت قعقعة -أي صوتاً- تحت البول، فإذا هي قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ورضضتها بالماء ، فتقويت بها ثلاثة أيام". وهذا يدل على مدى الشدة والعنت والحال التي وصلوا إليها بسبب ذلك الحصار الاقتصادي .
وفي أيام الحصار وفي تلك الحالة التي علمنا، كان المسلمون يخرجون إلى لقاء الناس في موسم الحج لدعوتهم إلى الإسلام، فلم تشغلهم آلامهم وما هم فيه عن تبليغ دعوتهم، وعرضها على كل وفد يأتي إلى مكة، فإن الاضطهاد لا يقتل دعوة الحق، بل يزيد جذورها عمقاً وفروعها امتداداً .
وقد كسب الإسلام -خلال فترة الحصار- أنصاراً كُثُر وكسب - إلى جانب ذلك - أن المشركين قد بدأوا ينقسمون على أنفسهم، ويتساءلون عن صواب ما فعلوا، حتى شرع فريق منهم في إبطال هذه المقاطعة، ونقض الصحيفة الجائرة، وقد تم نقض الصحيفة فعلاً.
وخاتمة القول: ما أشبه الليلة بالبارحة فأعداء الله في كل زمان ومكان حرب على الحق وأهله، كما قال الله تعالى: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إنْ استطاعوا} (البقرة: 217) وهم يستخدمون في ذلك من أساليب الحرب وأسلحتها ما يشبه بعضهم بعضاً فيه، ويرثه المتأخر عن المتقدم، ومن ذلك ما تقدم معنا من الحرب الاقتصادية، والتي استخدمها أعداء الإسلام في هذه الأزمنة أسوأ استخدام، ففعلوا بها الأفاعيل، فكم قتلوا بها من أطفال وشيوخ ونساء، بمنعهم الطعام والشراب والدواء، فأهلكوا الحرث والنسل على مسمع ومرأىً من العالم الذي يرعى حقوق الإنسان - زعموا - والله نسأل أن يمكن لدينه وينصر أولياءه ويخزي أعداءه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين .
الحاكم بأمر الله
إن الأحداث التي وقعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، ومحاولة إجهاض الدعوة في مهدها، ووقوف قريش حجر عثرة في طريقه، وموقفه صلى الله عليه وسلم الثابت، كل ذلك عرَّضه لعواصف عاتية وشديدة من البغضاء والافتراء ، ونزَّل بالمؤمنين أشد ألوان الابتلاء، فما ذاقوا طعم الراحة منذ أن آمنوا ، وما استراحوا لحظة من ليل أو نهار، وفي خضم هذه الأحداث أكرم الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالإسراء والمعراج.
ويقصد بالإسراء تلك الرحلة العجيبة التي بدأت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ويقصد بالمعراج ما عقب هذه الرحلة من ارتفاع في طباق السموات إلى مستوى لم يبلغه أحد من الخلق ، ثم العودة إلى المسجد الحرام ، وقد أِشار القرآن الكريم إلى كلتا الرحلتين في سورتين، فذكر قصة الإسراء وحكمته في قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء:1) . وذكر قصة المعراج وثمرته بقوله {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى.عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} (النجم13- 18)
· السبب في أن الرحلة إلى بيت المقدس
وأما لماذا كانت الرحلة إلى بيت المقدس ، ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة ؟ فإن هذا يرجع إلى تاريخ قديم ، فقد ظلت النبوات دهوراً طويلة وهي وقف على بني إسرائيل ، وظل بيت المقدس مهبط الوحي ، فلما أهدر اليهود كرامة الوحي، وأسقطوا أحكام السماء ، حلت بهم لعنة الله، وتقرر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد، ومن ثم كان مجيء الرسالة إلى رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام، انتقالاً بالقيادة الروحية للعالم من أمة إلى أمة ، ومن بلد إلى بلد.
واشتعل غضب اليهود لهذا التحوُّل ، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} (البقرة: من الآية90)
· حكمة الإسراء والمعراج
إن الله تعالى يكرم رسله بالإطلاع على المظاهر الكبرى لقدرته حتى يملأ قلوبهم بالثقة فيه، والتوكل عليه، لأنههم سيواجهون قوى الباطل ويهاجمون سلطانه القائم، فقد اطلع رسول الله صلى الله عليه وسلم على آيات ربه الكبرى، ومع ذلك كانت تسلية وتكريماً له عليه الصلاة والسلام بعد كثير من العناء والعنت الذي وجده من قومه.
· فرض الصلاة
وفي المعراج شرعت الصلوات الخمس، شرعت في السماء لتكون معراجاً يرقى بالنفس كلما تدلت بها شهواتها وأعراض الدنيا ، ولا تكون كذلك إلا إذا أداها المسلم كما أراد الله ، وعلامة صدق الصلاة أن تعصم صاحبها من الدنايا، وأن تخجله من البقاء عليها إذا ألم بشيء منها .
· قريش والإسراء
فلما كانت صبيحة هذه الليلة المشهودة، حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بما حصل له، وما شهد من آيات ربه الكبرى ، فكذب به المجرمون، وليس غريباً عليهم فالذين كذبوا وقوع وحي على الأرض، هل يرجي منهم أن يصدقوه في السماء؟!!
لقد طاروا يجمع بعضهم بعضاً ، ليسمع هذه الأعجوبة، فيزداد إنكاراً للرسالة، بل وتحداه بعضهم أن يصف بيت المقدس إن كان رآه هذه الليلة حقاً .
عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لما كذبتني قريش ، قمت في الحِجْر، فجلَّى الله لي بيت المقدس ، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه) رواه البخاري . وبعد هذا الإعجاز الباهر ظلوا في طغيانهم يعمهون ومن يضلل الله فلا هادي له.
وبعد: فهذا قليل من كثير في أمر هذه المعجزة العظيمة، والآية الباهرة، التي أكرم الله بها نبينا عليه الصلاة والسلام، والكلام عنها يحتاج إلى تفصيل، وسيكون لنا وقفات أخرى في بعض جوانبها إن شاء الله تعالى، والله نسال أن يوفقنا لصالح العلم والعمل، والحمد لله رب العالمين.
عرض الرسول نفسه على القبائل
بعد مضي سنوات من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل مكة وملاقاته منهم العنت والصدود ، وصبره على مواقفهم السلبية وأذاهم له ، صبراً لا تتحمله الجبال الراسيات ، أراد نقل الدعوة إلى القبائل خارج مكة لعله يجد بينهم آذاناً صاغية وقلوباً واعية ، فيؤمن به بعض وجهاء القبائل ، فينشر هدايته ، ويضمن ملاذاً لأتباعه من المستضعفين والمساكين ، لذلك ركَّز الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته على القبائل ورؤسائها .
فبدأ صلى الله عليه وسلم بعرض نفسه على القبائل في السنة الرابعة للبعثة ، واستمر في عرض الدعوة على القبائل في مواسم الحج مستفيداً من تجمعهم ، حيث تأتي القبائل إلى مكة للحج وتحصيل المنافع من تجارة وغيرها ، وفي كل موسم يجدد الدعوة لهم ، فكان يأتيهم قبيلة قبيلة يعرض عليهم الإسلام ، ويقول : يا بني فلان ، إني رسول الله إليكم ، يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني ، حتى أبين عن الله ما بعثني به .
ولم يكن صلى الله عليه وسلم يسمع بقادم إلى مكة من العرب ، له اسم وشرف ، إلا تصدىله ، فدعاه إلى الله ، وعرض عليه ما عنده .
و كانت قريش تستقبل القبائل والقادمين بسب رسول الله وتوهين أمره حتى لا يقبلوا دعوته للإسلام ، وكان عمه أبو لهب يتبعه ويلاحقه ويرد عليه ويصرف الناس عنه .
ومن تلك القبائل التي دعاها النبي صلى الله عليه وسلم : بنو عامر بن صعصعة ، ومحارب بن خصفة ، وفزارة ، وغسان ، ومرة ، وحنيفة ، وسليم ، وعبس ، وبنو نصر ، وكندة ، وكلب، والحارث بن كعب ، وعذرة .
وكان صلى الله عليه وسلم حكيما يخرج إلى القبائل في ظلام الليل ، بعيداً عن عيون مشركي مكة المعادين للدعوة ، رائعاً في عرضه للدعوة ، حيث يمهد لذلك كما فعل مع بني كلب فبدأ بقوله : يا بني عبدالله ، إن الله قد أحسن اسم أبيكم .
ومع أنه صلى الله عليه وسلم كان يجد الصدود والإعراض ، إلا أنه يصبر ويحتسب الأجر والثواب عند الله ، ويحمل لذلك هماً عظيماً وقلباً رحيماً يظهر من خلال ما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم (يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد فقال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، قال فناداني ملك الجبال ، وسلم علي ، ثم قال يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك ، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) . رواه البخاري و مسلم .
وفي موسم حج عام أحد عشر للبعثة التقى الرسول صلى الله عليه وسلم بنفر من شباب يثرب من قبيلة الخزرج ، وكانوا من العقلاء فاستجابوا لدعوته ودخلوا في الإسلام ، وحملوه معهم إلى المدينة.
واستجاب له بعض الأفراد ممن دعاهم أمثال : طفيل بن عمرو الدوسي ، و ضماد الأزدي من أهل اليمن ، ممن رجعوا بالدعوة إلى أقوامهم .
وهكذا يجد الإسلام دين الحق طريقه إلى القلوب السليمة ، ويبقى أصحاب القلوب المظلمة على ضلالهم وكفرهم وعنادهم ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، والحمد لله رب العالمين .
الحاكم بأمر الله
ذكرنا في مقال سابق أن أحزان النبي صلى الله عليه وسلم وهمومه زادت وتضاعفت بوفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وعمه أبي طالب في عام واحد، فـ خديجة كانت خير ناصر ومعين له -بعد الله تعالى-، وعمه كان يحوطه ويحميه ، ويحبه أشد الحب، وضاعف من حزنه صلى الله عليه وسلم أنه مات كافراً .
وتستغل قريش غياب أبي طالب فتزيد من إيذائها للنبي صلى الله عليه وسلم وتضيَّق عليه، وكان أبو لهب من أكثر الناس كراهية للدعوة وصاحبها صلى الله عليه وسلم ، حتى إنه كان يلاحق النبي صلى الله عليه وسلم في موسم الحج ، وفي الأسواق يرميه بالحجارة ويقول : إنه صابئ كذاب، ويحذر الناس من اتباعه، فضاقت مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتد به الحال، فخرج إلى الطائف راجياً ومؤملاً أن تكون أحسن حالاً من مكة ، وأن يجد من أهلها نصرة، فماذا لقي ؟
عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد قال : ( لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي عن ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال فسلم عليّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)ً متفق عليه .
فهؤلاء هم أهل الطائف الذين أمَّل النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، ورغب أن يكونوا أحسن حالاً من أهل مكة ، ولكنهم لم يكونوا عند حسن ظنه صلى الله عليه وسلم .
بدأ صلى الله عليه وسلم بسادات القوم الذين ينتهي إليهم الأمر، فكلمهم في الإسلام ودعاهم إلى الله، فردوا عليه رداً قاسياً، وقالوا له: اخرج من بلادنا، ولم يكتفوا بهذا الأمر، بل وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم فتبعوه يسبونه ويصيحون به، ويرمونه بالحجارة فأصيب عليه الصلاة السلام في قدميه حتى سالت منها الدماء، واضطروه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة من سادات أهل الطائف، فجلس في ظل شجرة يلتمس الراحة والأمن ، وصرف أصحاب البستان الأوباش والسفهاء عنه، ثم أمرا غلاماً لهما نصرانياً يدعي عداساً وقالا له : خذ قطفاً من العنب واذهب به إلى هذا الرجل ، فلما وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مد يده إليه وقال بسم الله ثم أكل، فقال عداس إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أي البلاد أنت؟ قال أنا نصراني من نينوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى ؟ قال عداس : وما يدريك ما يونس ؟ قال عليه الصلاة والسلام ذلك أخي كان نبياً وأنا نبي ، فأكب عداس على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدميه يقبلهما، فقال ابنا ربيعة ، أحدهما للآخر: أما غلامك فقد أفسده عليك ! فلما جاء عداس قالا له ويحك ما هذا : قال لهما ما في الأرض خير من هذا الرجل، فحاولا توهين أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، كأنما عز عليهما أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من الطائف بأي كسب .
ورجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليستأنف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ الرسالة للوفود والقبائل والأفراد، وزادت قريش من أذاها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وخلعت جلباب الحياء والمروءة، فراح بعض رجالاتها يلاحقونه عليه الصلاة والسلام في الأسواق والمواسم يرمونه بالكذب، ويحذرون العرب من اتباعه.
وفي الختام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستسلم لهذا الواقع الأليم، بل صبر وصابر، وواصل جهاده في الدعوة متوكلاً على الله، فكان عاقبة صبره نصر من الله، وفتح عظيم تتفيأ الأمة ظلاله، وتنعم بنور الرسالة الخاتمة، فجزاه الله خير ما جزى به نبياً عن أمته والحمد لله رب العالمين.
عام الحزن
مر معنا في مقال سابق ما كان من أمر المقاطعة الاقتصادية والحصار الذي اتفق عليه المشركون ضد المسلمين، وما كان فيه من الشدة والأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، ولماَّ انتهى ذلك الحصار، وقام بعض المشركين بنقض تلك الصحيفة الجائرة وما تضمنته من ظلم وقطيعة، انطلق المسلمون من الشِعب يستأنفون نشاطهم القديم بعدما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الجسام، والآلام العظيمة، والأحزان المتلاحقة ، وما أن تنفَّس المسلمون من الشدة التي لاقوها، إذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يصاب بمصيبتين عظيمتين هما: وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها ، ووفاة عمه أبي طالب .
إن خديجة رضي عنها من نعم الله العظيمة التي أنعم الله بها على رسوله الله صلى الله عليه وسلم، فهي التي آزرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته ، وشاركته أفراحه وأتراحه ، وواسته بنفسها ومالها. وإذا أردنا أن نعرف قدر هذه النعمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلنرجع إلى سير بعض الأنبياء الذين كفرت بهم زوجاتهم، وكن عوناً للمشركين عليهم، قال الله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امرأة نُوحٍ وامرأة لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} (التحريم:10)
أما خديجة فهي صدِّيقة النساء، حنّت على زوجها ساعة القلق ، ووقفت بجنبه ساعة الشدة، وظلت ربع قرن من الزمان تتحمل معه كيد الخصوم، وآلام الحصار، ومتاعب الدعوة، ولذلك كان موتها من أكبر المصائب التي مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحزن عليها أشد الحزن وظل يذكرها بالخير طول حياته، ويبين للناس فضلها وإحسانها، عن عائشة قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت فغِرْتُ يوماً فقلت ما أكثر ما تذكرها، حمراء الشدق قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء ) رواه أحمد .
وتوفى في نفس العام الذي توفيت فيه خديجة رضي الله عنها عمه أبو طالب ، وكان موته مصيبة أخرى أضيفت إلى المصائب والأحزان التي ألمَّت برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث إن أبا طالب كان الحصن الذي تحتمي به الدعوة الإسلامية من هجمات الكبراء والسفهاء مع بقائه على ملة قومه، فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم .
فظل أبو طالب يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، ويغضب له ، ولم تستطع قريش أن تنال من النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد موت أبي طالب ، ولتوالي هذه الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عام واحد عرف ذلك العام عند أهل السير بعام الحزن، وفي توالي هذه الأحزان على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشاعر :
فجاء عمك حصناً تستكن به فاختاره الموت والأعداء في الأجم
تُرمى وتُؤذى بأصناف العذاب فما رئيت في ثوب جبَّار ومنتقم
حتى على كتفيك الطاهرين رموا سلا الجزور بكف المشرك القزم
أما خديجة من أعطتك بهجتها وألبستك ثياب العطف والكرم
غدت إلى جنة الباري ورحمته وأسلمتك لجرح غير ملتئم
وهذه هي سنة الله في أنبيائه وأوليائه، يبتليهم ليرفع درجتهم، والعاقبة لهم في الدنيا بالتمكين والنصر، وفي الآخرة بالثواب العظيم. نسأل الله أن يمكَّن لدين وأوليائه وينصرهم على أعدائهم، إنه على كل شي قدير، والحمد لله رب العالمين
الحاكم بأمر الله
أساليب قريش لمواجهة الدعوة
منذ أن جهر النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته، وصارح قومه بضلال ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم، انفجرت مكة بمشاعر الغضب وظلت عشرة أعوام تعتبر المسلمين عصاةً متمردين على دين الآباء والأجداد، ورأت قريش أنَّه لابد من مواجهة هذه الدعوة التي جاءت بتسفيه أحلامهم وسب آلهتهم والقضاء على زعامتهم، فقرروا أن لا يألوا جهداً في محاربة الإسلام وإيذاء الداخلين فيه، واتخذوا لذلك أساليب شتى وطرقاً عديدة للمواجهة، وهذا ما سنعرفه في المقال التالي .
فمن الأساليب التي اتبعوها لمواجهة الدعوة الإسلامية وقمعها، السخرية والاستهزاء والتكذيب لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ليزهَّدوا النَّاس فيه وليضعفوا القوة المعنوية لدي المؤمنين، فتراهم تارة يصفون النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّه مجنون {وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} (الحجر:6) .
وتارة أخرى يصفونه بالسحر والكذب {وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} (صّ:4). وكانوا كما قصَّ الله تعالى علينا {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ* وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّون} .(المطففين:29-32).
ومن أساليب محاربة الدعوة كذلك، تشويه تعاليم الإسلام، وإثارة الشبهات حولها وبث الدعايات الكاذبة عن شخص الرسول صلى الله عليه وسلم. فكانوا يقولون عن القرآن إنه أساطير الأولين {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} (الفرقان:5)
ويقولون كذلك { إنما يعلمه بشر} (النحل:103). ويقولون عن الرسول صلى الله عليه وسلم { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأسواق } (الفرقان:7) وكل هذه الأقاويل التي قالوها والدعايات التي بثوها ردَّ عليها القرآن ردوداً واضحة وبيَّن بطلانها وتهافتها .
ومن أساليبهم في محاربة الدعوة أيضا، معارضة القرآن بأساطير الأولين وإشغال الناس بها، فقد ورد في السير أن النضر بن الحارث قال مرة لقريش: يا معشر قريش والله لقد نزل بكم أمر عظيم ما أوتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانة، حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر، لا والله ما هو بساحر ... ثم عدد لهم ما يقولونه عنه وردَّ عليهم فقال: ولا هو بمجنون ولا بشاعر ، ثم ذهب إلى الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم وأسفنديار، فكان كلَّما جلس الرسول صلى الله عليه وسلم مجلساً للتذكير بالله، جاء بعده النضر وقال لهم : والله ما محمد بأحسن حديثاً مني ، ثم يحدثهم عن ملوك فارس وخرافات رستم و أسفندبار ثم يقول بماذا محمد أحسن حديثاً مني ؟.
ومن أساليبهم في محاربة الدعوة كذلك ، مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق، وذلك بأن يترك الرسول صلى الله عليه وسلم بعض ما هو عليه من الحق، ويترك المشركون بعض ما هم عليه من الباطل، فقالوا يا محمد هلمَّ فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر، فإن كان الذي تعبده خيراً مما نعبد كنَّا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً مما تعبد أنت، كنت قد أخذت بحظك منه، فأنزل الله تعالى فيهم سورة كاملة وهي قوله تعالى: { قل يا أيها الكافرون* لا أعبد ما تعبدون *ولا أنتم عابدون ما أعبد* ولا أنا عابد ما عبدتم* ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين} (سورة الكافرون).
ولماَّ لم تنفع تلك الأساليب كلُّها في قمع الدعوة وإسكات صوتها، لجؤوا إلى أسلوب آخر وهو تعذيب الداخلين في هذا الدين، والتنكيل بهم، ظناً منهم أنهم إذا عذبوهم وضربوهم سيتركوا ما هم عليه، فأما أصحاب المكانة في قريش كـ أبي بكر و عثمان بن عفان و علي بن أبي طالب وغيرهم فقد منعهم الله بقومهم ومكانتهم وأما سائر المؤمنين الضعفاء الذين ليس لهم عصبة تدافع عنهم فقد تفنَّنت قريش في تعذيبهم وكشَّرت عن أنياب الغيظ والحقد، وسلَّطت عليهم من سياط العذاب ما لو سلط على جبل لتفتت .
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عن قال : (كان أول من أظهر إسلامه سبعة : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال ، والمقداد، فأمَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد ، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد أتاهم على ما أرادوا - أي وافقهم في بعض ماطلبوا منه من شدة التعذيب - إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد، أحد ) رواه أحمد وابن ماجة .
وبالجملة :فإن المشركين بذلوا كل ما في وسعهم لتعويق الدعوة ومنعها من الوصول إلى الناس ، ولكن خابوا وخسروا، وأدركوا أن ما يريدونه بعيد المنال ، إنما هي المكابرة، ومن يغالب الَله يُغلب، فهذا أمرٌ أراد الله إنقاذه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} (الصف:8) . فكان ما أراد الله تعالى من نصرة دينه ورسوله وأوليائه، وهم منصورون إلى يوم القيامة، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين .
وسوف نتناول المواضيع القادمة حسب ترتيبها الزمني وهي كالتالي :
غزوة العشيرة
أوائل المهاجرين
هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة
معجزات على طريق الهجرة
وصول رسول الله إلى المدينة
بناء المسجد النبوي
نظرة في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
من نتائج الهجرة قيام الدولة الإسلامية
تحويل القبلة
تشريع الجهاد
الهجرة النبوية ومنعطف التأريخ
هذا وتقبلوا تحيات أخوكم في الله
الحاكم بأمر الله
خرج المسلمون من مكة مهاجرين إلى المدينة امتثالا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن ذاقوا الأمرين على يد جبابرة قريش وعتاتها ، فكانت هجرتهم نصرا وفتحاً ، نظرا لما كان عليه الحال في مكة من العذاب والذل ، فتركوا أموالهم وديارهم فراراً بدينهم وعقيدتهم .
ولما استقر بهم المقام في المدينة النبوية أصبح الجو مهيأ أكثر من ذي قبل لنشر الدعوة ومواجهة الواقفين في سبيلها ، وكان من أساليب المواجهة التي نهجها النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يسمى بلغة اليوم المواجهة الاقتصادية ، إذ عمد إلى ضرب اقتصاد المشركين عن طريق التعرض لقوافلهم التجارية المترددة بين مكة والشام ، حتى يسترد المسلمون أموالهم التي سلبتها قريش ، ولتشكل هذه المواجهة ضغطا على المشركين ، يرغمهم على تعديل سياستهم في التعامل مع المسلمين .
ووفق هذه الخطة كانت غزوة العشيرة - موضع بناحية ينبع - ، والتي جرت أحداثها في أواخر جمادى الأولى من السنة الثانية للهجرة ، حيث خرج صلى الله عليه وسلم في نحو مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين ، معهم ثلاثون بعيرا يتناوبون على ركوبها ، وصاحب اللواء فيهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، وكان الخروج في هذه الغزوة اختياريا، فمن شاء خرج ، ومن شاء لم يخرج ، وكان الغرض من الخروج اعتراض قافلة لقريش كانت ذاهبة إلى الشام .
فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم العشيرة وجد قافلة قريش قد فاتته بأيام ، فاستغل صلى الله عليه وسلم فرصة وجوده في تلك الناحية ، فعقد معاهدة عدم اعتداء مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة ، ثم عاد إلى المدينة في أوائل جمادى الآخرة ، وكما كانت تلك القافلة سببا في غزوة العشيرة ، كانت كذلك سبباً في غزوة بدر ، وذلك في طريق عودتها من الشام .
لقد كانت غزوة العشيرة من أوائل الغزوات التي غزاها النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان الهدف منها - كما بينا - ضرب اقتصاد قريش ، والغزوة وإن لم تحقق هدفها المادي وهو الاستيلاء على القافلة ، إلا أنها - وهو الأهم - قد أدت هدفها المعنوي من إبلاغ رسالة إلى قريش مفادها أننا لن نكون لكم هدفاً سهلا بعد اليوم ، وأننا سوف نواجهكم ما دمتم تقفون عائقا في وجه الدعوة، وسوف نلاحقكم كما تلاحقون المؤمنين وتضطهدونهم ، وإلا فكفوا أيديكم فهو أسلم لكم .
تلك كانت الرسالة ، وهي بلا شك قد وصلت لقريش وفهمتها جيدا ، ومن هنا ندرك حكمة النبي صلى الله عليه وسلم وحنكته العسكرية ، ومدى خبرته في إدارة الصراعات ، كيف لا وهو النبي الموحى إليه من عند الله سبحانه ، نسأل المولى عز وجل أن يعيننا على السير على خطاه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين .
الحاكم بأمر الله
اشتد الأذى بالمؤمنين في مكة حتي صارت جحيماً لايطاق، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة حتي يأمنوا على أنفسهم، ويقيموا شعائر دينهم، فاستجاب المؤمنون لله ورسوله فهاجروا، وكان منهم سابقون إلى الهجرة، فمن أول من هاجر من الصحابة؟ هذا ما سنستعرضه في مقالنا التالي
يتفق موسى بن عقبة و ابن إسحاق على أن أبا سلمة بن عبد الأسد هو أول من هاجر من مكة إلى المدينة بعد أن آذته قريش إثر عودته من هجرة الحبشة , فتوجه إلى المدينة قبل بيعة العقبة بسنة .
وكذلك فإن مصعب بن عمير و ابن مكتوم كانا من أوائل المهاجرين حيث كانا يقرئان الناس القرآن .
وقد تتابع المهاجرون فقدم المدينة بلال بن رباح و سعد ابن أبي وقاص و عمار بن ياسر ثم عمر بن الخطاب في عشرين من الصحابة .
وقد سعت قريش بشتى الطرق إلى عرقلة الهجرة إلى المدينة , وإثارة المشاكل أمام المهاجرين , مرة بحجز أموالهم ومنعهم من حملها , ومرة بحجز زوجاتهم وأطفالهم , وثالثة بالاحتيال لإعادتهم إلى مكة، لكن شيئاً من ذلك كله لم يعق موكب الهجرة , فالمهاجرون كانوا على أتم الاستعداد للانخلاع عن أموالهم وأهليهم ودنياهم كلها تلبية لداعي العقيدة .
قالت أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها : ( لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل لي بعيره , ثم حملني عليه , وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري , ثم خرج بي يقود بعيره ، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمرو ابن مخزوم قاموا إليه فقالوا : هذه نفسك غلبتنا عليها , أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد ؟ قالت : فنزعوا خطام البعير من يده فأخذوني منه ، قالت : وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة . قالوا : لا والله لاتترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا ، قالت : فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده ، وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم , وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة ، قالت : ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني ، قالت : فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح , فما أزال أبكي حتى أمسي , سنة أو قريباً منها ، حتى مرّ بي رجل من بني عمي - أحد بني المغيرة - فرأى مابي , فرحمني , فقال لبني المغيرة : ألا تخرجون هذه المسكينة فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ؟ قالت : فقالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت ، قالت : وردّ بنو عبد الأسد إليّ عند ذلك ابني .
قالت : فارتحلت بعيري , ثم أخذت ابني فوضعته في حجري , ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة , وما معي أحد من خلق الله . قالت : فقلت : أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي . حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدار , فقال لي : إلى أين يا بنت أبي أمية ؟ قالت : فقلت : أريد زوجي بالمدينة . قال : أو معك أحد ؟ قالت : فقلت : لا والله إلا الله وبنيّ هذا . قال : والله مالك من مترك فأخذ بخطام البعير . فانطلق معي يهوي بي , فوالله ماصحبت رجلاً من العرب قط أرى أنه كان أكرم منه , كان إذا بلغ المنزل أناخ بي , ثم استأخر عني , حتى إذا نزلت عنه استأخر ببعيري فحط عنه , ثم قيده في الشجرة , ثم تنحّى إلى الشجرة فاضطجع تحتها , فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدّمه فرحّله ، ثم استأخر عني فقال : اركبي , فإذا ركبت فاستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه , فقاد بي حتى ينزل بي , فلم يزل يصنع ذلك بي حتى أقدمني المدينة ، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال : زوجك في هذه القرية - وكان أبوسلمة بها نازلاً - فادخليها على بركة الله ، ثم انصرف راجعاً إلى مكة . قال فكانت تقول : والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة . وما رأيت صاحباً قط أكرم من عثمان بن طلحة ).
وقد سقت الخبر بطوله لما فيه من دلالة على الصعوبات التي واجهها المهاجرون وهي تشير إلى أصر العصبية في اتخاذ العشائر القرشية مواقفها من الأحداث ، فقد انحاز قوم أبي سلمة إليه رغم مخالفتهم له في العقيدة , ثم إن الخبر يكشف عن صورة من صور المروءة التي عرفها المجتمع القرشي قبل الإسلام تتمثل في موقف عثمان بن طلحة وتطوعه في مصاحبة المرأة وإحسان معاملتها مما يدل على سلامة الفطرة التي قادته أخيراً إلى الإسلام بعد صلح الحديبية , ولعل إضاءة قلبه بدأت منذ تلك الرحلة مع المرأة المسلمة .
وثمة صورة تاريخية لحدث آخر هو هجرة عمر بن الخطاب كما حدّث بها بنفسه قال : ( اتعدت - لما أردنا الهجرة إلى المدينة - أنا و عياش بن أبي ربيعة , و هشام بن العاص بن وائل السهمي التناضب - موضع - من أضاءة بني غفار فوق سرف , وقلنا أينا لا يصبح عندها فقد حبس , فليمض صاحباه .قال : فأصبحت أنا و عياش بن أبي ربيعة التناضب , وحبس عنها هشام , وفتن فافتتن .
فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء , وخرج أبو جهل بن هشام , و الحارث بن هشام إلى عياش ابن أبي ربيعة - وكان ابن عمهما وأخاهما لأمهما - حتى قدما علينا المدينة - ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة - فكلماه وقالا : إن أمك قد نذرت ألا يمسّ رأسها مشط حتى تراك , فرقّ لها . فقلت له : يا عياش إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم .
فقال : أبرّ قسم أمي , ولي هناك مال فآخذه .
فقلت : والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً , فلك نصف مالي ولا تذهب معهما . فأبى عليّ إلا أن يخرج معهما . فلما أبى إلا ذلك قلت : أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول , فالزم ظهرها , فإن رابك من القوم ريب فانج عليها , فخرج عليها معهما . حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل : والله يا أخي لقد استغلظت بعيري هذا , أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال : بلى . قال : فأناخ وأناخ ليتحول عليها , فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه , ثم دخلا به مكة وفتناه فافتتن .
قال : فكنا نقول : ما الله بقابل ممن افتتن صرفاً ولا عدلاً ولا توبةً ؛ قوم عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم .
قال : وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم , وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون . واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً وأنتم لا تشعرون } ( الزمر 53-55) .
قال عمر بن الخطاب : فكتبتها بيدي في صحيفة , وبعثت بها إلى هشام بن العاص .
قال فقال هشام : فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوّب ولا أفهمها . حتى قلت : اللهم فهمنيها . قال : فألقى الله تعالى في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول لأنفسنا ويقال فينا . قال : فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأما ما روي من إعلان عمر لهجرته وتهديده من يلحق به بثكل أمه فلم يصح .
وهكذا وصلت طلائع الهجرة إلى المدينة المنورة، ووجدوا الأمن والأمان، والأخوة الصادقة من الأنصار، وأقاموا شعائر دينهم، فلله الحمد والمنة.
الحاكم بأمر الله
لما ضاقت مكة بأفضل أهلها وخيرهم عند الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه، جعل الله للمسلمين فرجاً ومخرجاً، فأذن لهم بالهجرة إلى المدينة حيث النصرة، وقبول الحق .
وقد أرخ لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم . الزهري فقال : " مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الحج بقية ذي الحجة , والمحرم وصفر ثم إن مشركي قريش اجتمعوا " - يعني على قتله - وقال الحاكم : " تواترت الأخبار أن خروجه كان يوم الاثنين ودخلوه المدينة كان يوم الاثنين " .
وقد أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة , وكان يتردد على بيت أبي بكر كل يوم صباحاً ومساء , لا يكاد يدع ذلك , فلما أذن له بالهجرة جاءهم ظهراً على غير عادته وهو متقنع , فأخبر أبا بكر بذلك . واختياره وقت الظهر لأن الناس تأوي إلى بيوتها للقيلولة فراراً من الحر , وتقنّعه يفيد شعوره بالخطر من حوله , فقد اعتزمت قريش قتله , ولابد أنها ستعمد إلى رصد تحركه . قال تعالى : {وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين } (الأنفال 30).
مؤامرة لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم
وقد بينت رواية ضعيفة - بسبب الإرسال - قصة اجتماع المشركين على باب الرسول صلى الله عليه وسلم وذره التراب على رؤوسهم .
كما بيّن ابن عباس حصار المشركين لبيته ابتغاء قتله , ومبيت علي رضي الله على فراشه ولحاقه صلى الله عليه وسلم بالغار , ولما علم المشركون ذلك في الصباح اقتصوا أثره إلى الغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فتركوه . ولكن هذه الرواية لا تصلح للاحتجاج بها وهي أجود ما روي في قصة نسيج العنكبوت على فم الغار ، وقد ورد حديث ضعيف جداً يفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما بات في غار ثور أمر الله شجرة , فنبتت في وجه الغار , وأمر حمامتين وحشيتين , فوقعتا بفم الغار . وأن ذلك سبب صدود المشركين عن الغار . ومثل هذه الأساطير تسربت إلى مصادر كثيرة في الحديث والسيرة . وعلى أية حال فإن ائتمار المشركين لقتله ثابت بنص الآية فلا يبعد أن يحاصروا بيته .
في غار ثور
قالت عائشة رضي الله عنها : ( فبينما نحن يوماً جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة , قال قائل لأبي بكر : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقناً في ساعة لم يكن يأتينا فيها . فقال أبو بكر : فداء له أبي وأمي , والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر . قالت : فجاء رسول الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له , فدخل . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : أخرج من عندك . فقال أبو بكر : إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله . قال : فإني قد أذن لي في الخروج . فقال أبو بكر : الصحابة بأبي أنت يارسول الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم . قال أبو بكر : فخذ - بأبي أنت يا رسول الله - إحدى راحلتي هاتين . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بالثمن . قالت عائشة : فجهزناهما أحث الجهاز , وضعنا لهم سفرة في جراب فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها , فربطت به على فم الجراب . وبذلك سميت ذات النطاق . قالت : ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر بغار في جبل ثور , فكمنا فيه ثلاث ليال , يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر - وهو غلام شاب ثقف لقن - فيدلج من عندهما بسحر , فيصبح من قريش بمكة كبائت , فلا يسمع أمراً يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام , ويرعى عليهما عامر بن فهيرة - مولى أبي بكر - منحة من غنم , فيريحها عليهما حتى تذهب ساعة من العشاء , فيبيتان في رسل - وهو لبن منحتهما ورضيفهما - حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس , يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث . واستأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عدي بن عدي هادياً خرّيتاً قد غمس حلفاً في العاص بن وائل السهمي - وهو على دين الكفار - فدفعا اليه راحلتيهما , وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما صبح ثلاث. )
وتشير رواية صحيحة أخرى إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ركبا ، قال : ( فانطلقا حتى أتيا الغار وهو بثور ) .
موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وثمة رواية حسنة تفيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الغار من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله , فلبس علي رضي الله عنه ثوبه ونام مكانه واخترق رسول الله صلى الله عليه وسلم حصار المشركين دون أن يروه , بعد أن أوصى علياً بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به , فجاء أبو بكر و علي ّ نائم , و أبو بكر يحسب أنه نبي الله صلى الله عليه وسلم , قال : فقال : يا نبي الله ..
فقال له علي : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد انطلق نحو بئر ميمون فأدركه .
قال : فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار .
قال : وجعل علي يرمي بالحجارة , كما كان يرمي نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو يتضور , قد لفّ رأسه في الثوب لا يخرجه , حتى أصبح .
ثم كشف عن رأسه , فقالوا : إنك للئيم ! . كان صاحبك نرميه فلا يتضوّر وأنت تتضوّر وقد استنكرنا ذلك .
لقد كان غار ثور قد تحدد منطلقاً للهجرة , وضرب الموعد مع الدليل في ذلك المكان , وكان خروج المصطفى و الصديق الى الغار ليلاً .
ولا تقوى هذه الرواية على معارضة ما في الصحيح , ولكن يمكن التوفيق بينهما , لأن رواية الصحيح ليست صريحة في ركوبهما من بيت الصديق رضي الله عنه . فإذا افترضنا أن اصطحابهما معاً جرى من بئر ميمون أمكن التوفيق بين الروايتين .
أبو بكر الصديق يضع ثروته في خدمة الدعوة
لقد حمل أبو بكر رضي الله عنه ثروته ليضعها تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد ذكرت أسماء ابنته أنها خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم . لقد مكث الاثنان في الغار ثلاث ليال وقد تمكن المشركون من اقتفاء أثرهم إلى الغار حيث رأى الصديق أقدامهم فقال :" يا نبي الله , لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا " . قال : ( اسكت يا أبا بكر اثنان الله ثالثهما ) .
وإلى هذا اليقين التام والتوكل الكامل تشير الآية { ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } ( التوبة 40)
الإعلان عن مكافأة
لقد أخفقت قريش في العثور عليهما , فأعلنت عن مكافأة لمن يقتلهما أو يأسرهما وأرّخت رواية واهية خروج النبي صلى الله عليه وسلم من الغار في ليلة الاثنين لأربع ليال خلون من شهر ربيع الأول , وأدركتهما القيلولة ظهر يوم الثلاثاء بقديد . وهذا التحديد يثير الشك بصحة الرواية فضلاً عن ضعف الإسناد .لقد مضى الاثنان في الطريق الى المدينة وهما يحسان برصد المشركين لهما . قال أبو بكر : " أخذ علينا بالرصد فخرجنا ليلاً "
وبالجملة فإن الهجرة حدث عظيم، وفيه من الفوائد والعبر الكثير الكثير، مما لا يمكن استيفاؤه في مثل هذا المقال، وسيكون لنا مع الهجرة وقفات ووقفات، ومن الله نستمد العون والهدي وبالله التوفيق.
الحاكم بأمر الله
بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدي ودين الحق، ووعده بالنصر والتأييد، وكان تأييده تعالى لرسوله بأمور كثيرة منها المعجزات والتي هي خوارق العادات، فقد وقعت له معجزات كثيرة ، ومنها ما كان على طريق الهجرة ، وهو ما سنقف عليه في هذه الكلمات.
وقعت معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم في طريق الهجرة , ولنقرأ ما سجله الصديق رضي الله عنه عن بداية الرحلة قال : ((أسرينا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة , وخلا الطريق فلا يمر فيه أحد , حتى رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل , لم تأت عليه الشمس بعد , فنزلنا عندها فأتيت الصخرة فسويت بيدي مكاناً ينام فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ظلها ثم بسطت عليه فروة . ثم قلت : نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك , فنام)) . ثم حكى أبو بكر خبر مرور راع بهما , فطلب منه لبناً , وصادف استيقاظ الرسول صلى الله عليه وسلم فشرب ثم قال : ((ألم يأن للرحيل)) قلت : بلى . قال : فارتحلنا بعدما زالت الشمس , وأتبعنا سراقة بن مالك ونحن في جلد من الأرض .
معجزة في خيمة أم معبد :
وقد اشتهر في كتب السيرة والحديث خبر نزول الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بخيمة أم معبد بقديد طالبين القرى , فاعتذرت لهم لعدم وجود طعام عندها إلا شاة هزيلة لا تدرّ لبناً , فأخذ الشاة فمسح ضرعها بيده , ودعا الله , وحلب في إناء حتى علت الرغوة , وشرب الجميع , ولكن هذه الرواية طرقها ما بين ضعيفة وواهية . إلا طريقاً واحدة يرويها الصحابي قيس بن النعمان السكوني ونصها ((لما انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو بكر يستخفيان نزلا بأبي معبد فقال : والله مالنا شاة , وإن شاءنا لحوامل فما بقي لنا لبن . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحسبه - فما تلك الشاة ؟ فأتى بها . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة عليها , ثم حلب عسّاً فسقاه , ثم شربوا , فقال : أنت الذي يزعم قريش أنك صابيء ؟ قال : إنهم ليقولون . قال : أشهد أن ما جئت به حق . ثم قال : أتبعك . قال : لا حتى تسمع أناّ قد ظهرنا . فاتّبعه بعد)) . وهذا الخبر فيه معجزة حسية للرسول صلى الله عليه وسلم شاهدها أبو معبد فأسلم .
قصة سراقة بن معبد :
ولندع رواية سراقة بن مالك تكمل الخبر التاريخي ففيها تفاصيل تكشف عن المعجزة النبوية . قال سراقة : ((لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة مهاجراً إلى المدينة جعلت قريش فيه مائة ناقة لمن رده عليهم . قال : فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا حتى وقف علينا فقال : والله لقد رأيت ركبة ثلاثة مروا عليّ آنفاً إني لأراهم محمداً وأصحابه . قال : فأومأت إليه بعيني أن اسكت . ثم قلت : إنما هم بنو فلان يبتغون ضالة لهم , قال : لعلّه , ثم سكت)) .
ثم ذكر سراقة خروجه في أثرهم , وأن فرسه ساخت به حتى طلب الدعاء له من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : قل له وما تبتغي منا ؟ فقال لي ذلك أبو بكر . قال قلت : تكتب لي كتاباً يكون آية بيني وبينك . قال : اكتب له يا أبا بكر .
فكتب لي كتاباً في عظم أو في رقعة أو في خزفة , ثم ألقاه إلي , فأخذته فجعلته في كنانتي , ثم رجعت فسكت , فلم أذكر شيئاً مما كان)) . ثم حكى خبر لقائه برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة وإسلامه .
وقد ذكر سراقة في رواية صحيحة أنه اقترب من الاثنين حتى سمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت , و أبو بكر يكثر الالتفات , كما ذكر أنه عرض عليهما الزاد والمتاع فلم يأخذا منه شيئاً , وأن وصيته كانت : اخف عنا .
وتذكر رواية صحيحة أنه صار آخر النهار مسلمة للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن كان جاهداً عليه أوله . وأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي دعا عليه فصرعه الفرس . وقد احتاط الاثنان في الكلام مع الناس الذين يقابلونهم في الطريق , فإذا سئل أبو بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هذا الرجل يهديني السبيل , فيحسب الحاسب إنه إنما يعني الطريق , وإنما يعني سبيل الخير . وقد صح أن الدليل أخذ بهم طريق السواحل
وبالجملة: فإن المعجزات جند من جنود الله تعالى أيد بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكرمه بها، فله الحمد في الأولى والآخرة، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم .
يتبع
الحاكم بأمر الله
كان المسلمون في المدينة قد سمعوا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة , فكانوا يغدون كل غداة إلى ظاهر المدينة ينتظرونه , حتى إذا اشتد الحر عليهم عادوا إلى بيوتهم , حتى إذا كان اليوم الذي قدم فيه انتظروه حتى لم يبق ظل يستظلون به فعادوا , وقدم الرسول صلى الله عليه وسلم وقد دخلوا بيوتهم , فبصر به يهودي فناداهم , فخرجوا فاستقبلوه , وكانت فرحتهم به غامرة ، فقد حملوا أسلحتهم وتقدموا نحو ظاهر الحرة فاستقبلوه .
وقد نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في قباء في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة وأسس مسجد قباء .
ولما عزم رسول الله صلى عليه وسلم أن يدخل المدينة أرسل إلى زعماء بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم .
وقد سجلت رواية أن عدد الذين استقبلوه خمسمائة من الأنصار ، فأحاطوا بالرسول صلى الله عليه وسلم و بأبي بكر وهما راكبان , ومضى الموكب داخل المدينة , ( وقيل في المدينة : جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم ) . وقد صعد الرجال والنساء فوق البيوت , وتفرق الغلمان في الطرق ينادون : يا محمد يا رسول الله , يا رسول الله .
قال الصحابي البراء بن عازب - وهو شاهد عيان - :" ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم "
أما تلك الروايات التي تفيد استقباله بنشيد (طلع البدر علينا من ثنيات الوداع) فلم ترد بها رواية صحيحة .
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حتى نزل جانب دار أبي أيوب الأنصاري فتساءل : أي بيوت أهلنا أقرب ؟ فقال أبو أيوب : أنا يا نبي الله , هذه داري وهذا بابي . فنزل في داره .
وقد ورد في كتب السيرة أن زعماء الأنصار تطلعوا إلى استضافة الرسول صلى الله عليه وسلم , فكلما مر بأحدهم دعاه للنزول عنده , فكان يقول لهم : دعوا الناقة فإنها مأمورة فبركت على باب أبي أيوب ، وكان داره طابقين , قال أبو أيوب الأنصاري : ((لما نزل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي نزل في السّفل وأنا و أم أيوب في العلو , فقلت له : يا نبي الله - بأبي أنت وأمي - إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك , وتكون تحتي , فاظهر أنت في العلو , وننزل نحن فنكون في السفل . فقال : يا أبا أيوب : إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت.
قال : فلقد انكسر حبّ لنا فيه ماء , فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا مالنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفاً أن يقطر على رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيء يؤذيه)) .
وقد أفادت رواية ابن سعد أن مقامه صلى الله عليه وسلم بدار أبي أيوب سبعة أشهر .
وقد اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين , وآثروهم على أنفسهم , فنالوا من الثناء العظيم الذي خلّد ذكرهم على مرّ الدهور وتتالي الأجيال , إذ ذكر الله مأثرتهم في قرآن يتلوه الناس : {والذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فألئك هم المفلحون} ( الحشر9) .
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأنصار ثناء عظيماً فقال : (لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار) و (لو سلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم) .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حيث أدركته الصلاة , ثم أمر ببناء المسجد في أرض كان فيها نخل لغلامين يتيمين من بني النجار .
وقد اشتراها رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقام المسلمون بتسويتها وقطع نخيلها وصفوا الحجارة في قبلة المسجد , وما أعظم سرورهم وهم يعملون في بنائه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل معهم وهم يرتجزون :
اللهم إنه لا خير إلا خير الآخرة فانصر الأنصار والمهاجرة .
وقد بناه أولاً بالجريد ثم بناه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين، وقد واجه المهاجرون من مكة صعوبة اختلاف المناخ , فالمدينة بلدة زراعية , تغطي أراضيها بساتين النخيل , ونسبة الرطوبة في جوها أعلى من مكة , وقد أصيب العديد من المهاجرين بالحمى منهم أبو بكر و بلال .
فأخبرت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ((اللهم حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة أو أشدّ , وصححها , وبارك لنا في صاعها ومدّها , وانقل حمّاها فاجعلها بالجحفة)) . وقال : ((اللهم امض لأصحابي هجرتهم , ولا تردهم على أعقابهم)) .
لقد تغلب المهاجرون على المشكلات العديدة , واستقروا في الأرض الجديدة مغلبين مصالح العقيدة ومتطلبات الدعوة , بل صارت الهجرة واجبة على كل مسلم لنصرة النبي عليه الصلاة والسلام ومواساته بالنفس , حتى كان فتح مكة فأوقفت الهجرة لأن سبب الهجرة ومشروعيتها نصرة الدين وخوف الفتنة من الكافرين . والحكم يدور مع علته , ومقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه , وإلا وجبت . ومن ثم قال الماوردي : إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر , فقد صارت البلد به دار إسلام , فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها لما يترجى من دخول غيره في الإسلام .
وعندما دون التاريخ في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه اتخذت مناسبة الهجرة بداية التاريخ الإسلامي , لكنهم أخروا ذلك من ربيع الأول الى المحرم لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم , إذ بيعة العقبة الثانية وقعت في أثناء ذي الحجة , وهي مقدمة الهجرة . فكان أول هلال استهل بعد البيعة والعزم على الهجرة هلال المحرم , فناسب أن يجعل مبتدأ التاريخ الإسلامي. والله الموفق والهادي الى سواء السبيل.
إن المساجد في الإسلام لها شأن عظيم، ومكانة رفيعة، ففيها يعبد الله تعالى ويذكر فيها اسمه، { في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح لها فيها بالغدو والآصال رجال...) ولم يكن هديه صلى الله عليه وسلم في المسجد قاصرا على الصلاة فحسب، بل كما كان مكان للعبادة فهو مكان للحكم والقضاء، وإدارة الدولة وسياستها، وتجيش الجيوش وغير ذلك من المهام . ولما كان المسجد بهذه المكانة فأول أمر بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم بعد وصوله المدينة بناء المسجد وهذا ما سنقف عليه في المقال التالي:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة المنورة يصلي حيث أدركته الصلاة ، ثم أمر ببناء المسجد في أرض كان فيها نخل لغلامين يتيمين ، من بني النجار ، وقد أشترها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقام المسلمون بتسويتها ، وقطع نخيلها ، وصفوا الحجارة في قبلة المسجد التي كانت تتجه نحو بيت المقدس آنذاك ، وما أعظم سرورهم وهم يعملون في بنائه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل معهم ، وهم يرتجزون .
وكانت سواريه من جذوع النخل وأعلاه مظلل بجريد النخل ، ثم بناه باللبن بعد الهجرة بأربع سنين . ثم أعيد بناء المسجد سنة 7هـ حيث اشترك في بنائه أبو هريرة ، وطلق بن علي الحنفي ـ أسلما سنة 7هـ وقد جرت توسعة المسجد عند إعادة بنائه هذه.
وقد حدد النبي صلى الله عليه وسلم موقع المنبر : وبنى بيوت أزواجه بحيث تحد المسجد من جهة الشمال والشرق والجنوب ،وتحدد موقع مصلاه بدقة حيث اتخذ محرابا من بعده ، وكانت ثمة اسطوانة تحدد موقعه ، وصارت تمسى باسطوانة المخلفَّة والقرعة ، وهي الآن في ظهر المحراب القديم ، وقد وضع المصحف في صندوق عند هذه الاسطوانة في جيل الصحابة ، وعرف المكان ما بين بيت عائشة رضي الله عنها والمنبر باسم " الروضة ". و تحددت في زمنه صلى الله عليه وسلم اسطوانة التوبة داخل الروضة ، وهي الاسطوانة الرابعة شرق المنبر ، وكان مصلى العيد في زمنه صلى الله عليه وسلم في موقع مسجد الغمامة اليوم ، وكان ما بينه وبين المسجد النبوي مبلطا بالحجارة ويعرف بالبلاط حيث بنى كثير من المهاجرين بيوتهم في جهته. ولم يوقد في حياته صلى الله عليه وسلم في المسجد قنديل ، ولا بسط فيه حصير .
وللمسجد أهمية عظيمة في المجتمع الإسلامي ، فهم يجتمعون فيه للصلاة خمس أوقات كل يوم يتقربون إلى الله بالعبادة ، ويتعرفون على أحوال إخوانهم
ويتعاونون على البر والتقوى . ثم إن المسجد كان مركزا للقضاء بين الناس ومنطلقا لقوافل الجهاد حيث يعلن فيه النفير .
وقد احتل المسجد مكاناً هاماً في تعليم المسلمين وتثقيفهم ، وتلاوة ما ينزل من قرآن ، وقد جلس فيه معلمون لتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة .
وهكذا تنوع النشاط الذي احتضنه المسجد النبوي ما بين عبادة وعلم وخدمة اجتماعية وثقافية وعسكرية ، كما صار المسجد النبوي بالمدينة مناراً ومرشدا ومعلما بارزا في الحياة الإسلامية ، وتابعته المساجد الأخرى التي بنيت في المدن والأمصار الإسلامية على مر العصور .
إن رباط الأخوة في الإسلام رباط عظيم ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم عليه وأكده، وكان من أوائل الأمور التي قام بها بعد وصوله المدينة أن آخى بين المهاجرين والأنصار.
ويبدو أن النبي صلى الله عليه وسلم استمر يؤاخي بين أصحابه مؤاخاة مواساة وتعاون وتناصح دون أن يترتب على ذلك حق التوارث بين المتآخين ،
وهكذا وردت أخبار تفيد أنه آخى بين أبي الدرداء و سلمان الفارسي مع أن سلمان أسلم بين أحد والخندق مما جعل الواقدي و البلاذري ينكران ذلك .
وكذلك أنكر ابن كثير مؤاخاة جعفر بن أبي طالب لمعاذ بن جبل لأن جعفراً قدم في فتح خيبر أول سنة 7هـ .
ومثل ذلك مؤاخاة الحتات مع معاوية بن أبي سفيان ؛ لأن معاوية أسلم بعد فتح مكة سنة 8هـ .
وكذلك فإن الحتات قدم المدينة في وفد تميم في العام التاسع للهجرة ، وإذا اعتبرنا المؤاخاة مستمرة إلا ما يتعلق بحق التوارث الذي أبطل بعد بدر فلا موجب لهذا الاعتراض والإنكار الذي أبداه المؤرخون تجاه هذه الروايات .
وكذلك إذا قبلنا وقوع مؤاخاة دون إرث قبل وبعد تشريع المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار فإن ذلك سوف يفسر الالتباس الذي وقع فيه ابن إسحق عندما أورد في قائمة المتآخين خبر مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ومؤاخاة حمزة لزيد بن حارثة وكلهم مهاجرون في حين أن سائر الأسماء الأخرى التي وردت في قائمته توضح أن المؤاخاة كانت بين مهاجري وأنصار .
وقد عقب ابن كثير على مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ومؤاخاة حمزة لزيد بأنه لا معنى لهذه المؤاخاة إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل مصلحة علي إلى غيره فإنه كان ممن ينفق عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من صغره . وإلا أن يكون حمزة قد التزم بمصالح مولاهم زيد بن حارثة فآخاه بهذا الاعتبار .
ولكن هذا التعليل الذي قدمه ابن كثير غير مقبول لأن المصادر ذكرت مؤاخاة حمزة ابن عبد المطلب لكلثوم بن الهدم وغيره , كما ذكرت مؤاخاة زيد بن حارثة لأسيد بن حضير .
كما أن المؤاخاة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي تقتضي التوارث , والنبي لا يورث كما جاء في الحديث , كما أن البلاذري ذكر مؤاخاة علي ل سهل بن حنيف .
وكذلك فإن البلاذري ذكر وقوع مؤاخاة بين النبي صلى الله عليه وسلم و علي و حمزة و زيد بمكة
ونخلص من ذلك إلى أن هذه المؤاخاة بين النبي صلى الله عليه وسلم و علي وبين حمزة و زيد إذا كانت قد وقعت , فإنها مؤاخاة تقتضي المؤازرة والرفقة دون حقوق التوارث وأنها جرت في غير الوقت الذي أعلن فيه نظام المؤاخاة في دار أنس بن مالك .
وأخيراً فإن المؤاخاة التي شرعت بين المؤمنين باقية لم تنسخ سوى ما يترتب عليها من توارث فإنه منسوخ , وبوسع المؤمنين في كل عصر أن يتأخوا بينهم على المواساة والارتفاق والنصيحة ويترتب على مؤاخاتهم حقوق أخص من المؤاخاة العامة بين المؤمنين. والله نسأل ان يؤلف بين المؤمنين ويجعلهم أخوة متحابين متناصرين. والحمد لله رب العالمين.
لقد تغلب المهاجرون على المشكلات العديدة , واستقروا في الأرض الجديدة , مغلبين مصالح العقيدة ومتطلبات الدعوة , بل صارت الهجرة واجبة على كل مسلم لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم , ومواساته بالنفس , حتى كان فتح مكة فأوقفت الهجرة ؛ لأن سبب الهجرة ومشروعيتها نصرة الدين وخوف الفتنة من الكافرين . وأبرز نتائج الهجرة تتمثل في قيام الدولة الإسلامية الأولى , وهي أول دولة أقامها نبي في الأرض , وذلك لأن دين الإسلام يجمع ما بين العبادة والتشريع والحكم .
وقد هيأت الهجرة الأمة والأرض لإقامة دولة نموذجية تهدف إلى إيجاد ظروف ملائمة لتحقيق العبودية الخالصة لله وحده , ولبناء مجتمع تسوده الأخوة الدينية وينأى عن العصبية الجاهلية , وكانت طاعة الله ورسوله هي الوسيلة لبناء المجتمع والدولة على أسس جديدة . وفيما يلي توضيح لنتائج الهجرة وقيام الدولة الإسلامية .
من أسس الدولة :
أ- تحقيق العبودية الخالصة لله وحده .
أحدث الإسلام نقلة عميقة وشاملة في عالم العقيدة , فلم يعد ثمة مجال لعبادة الأصنام والكواكب والأوهام , ولا لممارسة السحر والكهانة , ولا للتشبث بالتمائم والرقى , بل اتجه سكان الدولة الإسلامية إلى توحيد الله في التصور والعبادة والسلوك , فالله واحد { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ}) (البقرة: من الآية163) وهو { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } (الأنعام: من الآية103) ولا يشبه شيئاً من المخلوقات , وقد وصف نفسه بصفات السمع والبصر والعلم والحياة وغيرها من الصفات التي وردت في القرآن والسنة ؛ لكن هذه الصفات لا تماثل صفات المخلوقين { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير } (الشورى: من الآية11) .
وأحدث الإسلام انقلاباً جذرياً في حياة الفرد والجماعة , بحيث تغيّر سلوك الأفراد اليومي وعاداتهم المتأصلة تغيراً كلياً , كما تغيرت مقاييسهم وأحكامهم ونظرتهم إلى الكون والحياة . وكذلك تغيرت بنية المجتمع بصورة واضحة , فاختلفت مظاهر وصور , وبرزت معالم وظواهر جديدة . فالنقلة كبيرة بين ما كان عليه الإنسان في جاهليته , وما صار إليه في إسلامه . إذ لم يعد العربي متفلتاً من الضوابط في معاملاته وعلاقاته الاجتماعية , بل صار منضبطاً بضوابط الشريعة الإسلامية في جزئيات حياته من أخلاق وعادات كالنوم والاستيقاظ , والطعام والشراب , والزواج والطلاق , والبيع والشراء , ولا شك أن العادات تتحكم في الإنسان , ويصعب عليه التخلص منها واكتساب عادات وصفات جديدة , ولكن ما ولّده الإسلام في أنفسهم من إيمان عميق مكّنهم من الانخلاع من الشخصية الجاهلية بكل ملامحها واكتساب الشخصية الإسلامية بكل مقوماتها , فاعتادوا على عبادة الله تعالى وحده , بالصلاة والصوم والحج والزكاة والجهاد , وقصده بكل أعمال الخير الأخرى , والتقرب إليه بالذكر والشكر , والصبر على البلوى , والإنابة إليه , والدعاء إليه , والرغبة في فضله ورحمته , وامتلاء القلب بالتوحيد والإخلاص والرجاء .
واعتادوا أيضاً على استحضار النية لله في نشاطهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ؛ لان العبادة في الإسلام مفهومها واسع يمتد لكل عمل يقوم به الإنسان إذا قصد به وجه الله وطاعته . وإلى جانب الاعتياد على الطاعات , فإن المسلمين تخلصوا من العادات المتأصلة التي نهى عنها الإسلام كشرب الخمر و الأنكحة الجاهلية والربا ومنكرات الأخلاق من الكذب والخيانة والغش والغيبة والحسد والكبر والظلم ... وهكذا فإن الدولة الإسلامية التي أقامها رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة كونت مجتمعاً ربانياً يسعى أفراده في العمران الأدبي والمادي للأرض ويتطلعون إلى ما عند الله من النعيم المقيم .
ب- الأخوة ووحدة الصف :
إن الأساس الذي بنيت عليه العلاقات في مجتمع الدولة الإسلامية هو الاخوة الإيمانية التي حددتها الآية الكريمة { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } (الحجرات: من الآية10) ,
فالأخوة الصادقة لا تكون إلا بين المؤمنين , وهم يقفون صفاً واحداً للجهاد في سبيل الله ولبناء قوة الدولة العسكرية والاقتصادية والاجتماعية , وذلك برص صفوفهم , والتعاون فيما بينهم , وشيوع المحبة والألفة في مجتمعهم . قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ } (الصف:4)
ج- الطاعة بالمعروف في المنشط والمكره :
اتسم جيل الصحابة رضوان الله عليهم بالطاعة الكاملة لأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم , فقد كانوا يقرؤون القرآن وكأنه ينزل على كل واحد منهم - رجلاً كان أم امرأة - غضاً طرياً , وكانت لغة التخاطب بينهم هي الفصحى التي نزل بها القرآن , وقد أعانهم ذلك على فهم الخطاب الإلهي بسهولة ويسر , كما ولّد الأثر القوي في نفوسهم , وسرعة الاستجابة التامة لتعاليمه وأحكامه . فكان جيل الصحابة قادراًُ على التخلص من عادات الجاهلية وتقاليدها وأعرافها , حتى لو كانت العادات قد استقرت منذ قرون , وصارت عرفاً مشروعاً وتقليداً مقبولاً . فمن ذلك أنه لما نزل قول الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } (المائدة:90)
خرجت الأنصار بدنان الخمر إلى الأزقة وأراقوها وقالوا : انتهينا ربنا انتهينا ربنا . وشرب الخمر الذي أقلعوا عنه كان عادة متأصلة في حياة الفرد والمجتمع , والخمر الذي أراقوه كان مالاً ضحوا به تسليما لله رب العالمين .
ومن ذلك أن قوماً من المسلمين وفدوا على رسول الله صلى الله عيه وسلم في أول النهار , فإذا هم عراة حفاة يلبسون أكسية الصوف وعليهم السيوف ,
فتغيّر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم إشفاقا عليهم , وجمع الناس , وحثّهم على الصدقة , وقرأ عليهم الآيات في ذلك ومنها { اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد } (الحشر: من الآية18) فتتابع الناس حتى جمعوا كومين من طعام وثياب , فتهلّل وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فرحاً بمبادرة الصحابة إلى معونة إخوانهم وطاعة ربهم وكذلك بادرت الصحابيات إلى طاعة أمر الله تعالى , قالت عائشة رضي الله عنها : "يرحم الله نساء المهاجرات الأول , لما أنزل الله { وليضربن بخمرهن على جيوبهن }( النور 31) شققن مروطهنّ فاختمرن به" رواه البخاري .
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يلتزمون بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم للخلفاء الراشدين من بعده , وكان للبيعة قيمة عالية , فهي التزام حرّ , وتعاقد بين الطرفين , وقد دللّوا دائما على صدق التزامهم فلبّوا داعي الجهاد , وخاضوا غمار المعارك في أماكن نائية عن ديارهم , ودفن كثير منهم في أطراف الأرض , وما عرفوا القعود عن الجهاد , والحفاظ على الكرامة ' والذود عن العقيدة . فجزاهم الله عن هذه الامة وهذا الدين خير الجزاء، وسلك بنا سبيلهم، وحشرنا في زمرتهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، إنه خير مسؤول، والحمد لله أولاً ولآخراً.
لاشك أن لله تعالى حكمة من وراء كل تشريع، فهو سبحانه أعلم بما يُصلح عباده في الدنيا والآخرة، لذا شرع لهم من الأحكام ما يحقق لهم خيري الدنيا والآخرة، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن تكون قبلة المسلمين في بداية أمرها قِبَلَ بيت المقدس، ثم نسخ هذا الحكم لحكمة يعلمها سبحانه، وجاء الأمر بالتوجه قِبَلَ الكعبة المشرفة، أول بيت وضع للناس.
وقد كان تحويل القبلة في المدينة بعدما يقرب من ستة عشر شهراً من الهجرة. ومجموع الروايات المتعلقة بهذا الحدث، تفيد أن المسلمين في مكة كانوا يتوجهون إلى الكعبة منذ أن فُرضت عليهم الصلاة، وأنهم بعد الهجرة توجهوا إلى بيت المقدس بأمر من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم جاء الأمر بعدُ من الله تعالى بالتوجه إلى البيت الحرام قال الله تعالى: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} (البقرة:144) فنسخه، وعلى أية حال فقد كان التوجه إلى بيت المقدس - وهو قبلة أهل الكتاب من اليهود والنصارى - سبباً في اتخاذ اليهود إياه ذريعة للاستكبار عن الدخول في الإسلام، إذ أطلقوا في المدينة ألسنتهم بالقول بأن توجه محمد ومن معه إلى قبلتهم في الصلاة دليل على أن دينهم هو الدين الحق، وقبلتهم هي القبلة الصحيحة، وأنهم هم الأصل، فأولى بمحمد ومن معه أن يفيئوا إلى دينهم، ويتبعوا ما هم عليه.
وفي الوقت ذاته كان الأمر شاقاً على المسلمين الذين ألِفوا في الجاهلية أن يعظموا حرمة البيت الحرام، وأن يجعلوه كعبتهم وقبلتهم، وزاد الأمر مشقة ما كانوا يسمعونه من اليهود من التبجح بهذا الأمر واتخاذه حجة عليهم، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقلب وجهه في السماء متجهاً إلى ربه دون أن ينطق لسانه بشيءٍ تأدباً مع الله، وانتظاراً لتوجيهه بما يرضاه، حتى نزل القرآن مستجيباً لما يجول في صدر الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} (البقرة:144) .
وحينما سمع المسلمون بتحويل القبلة وكان بعضهم في منتصف الصلاة حولوا وجوههم شطر المسجد الحرام في أثناء صلاتهم وأكملوا صلاتهم قِبَل الكعبة المشرفة ، فعندئذ انطلقت أبواق يهود تلقي في صفوف المسلمين وقلوبهم بذور الشك والقلق في قيادتهم، وفي أساس عقيدتهم، قالوا لهم إن كان التوجه فيما مضى إلى بيت المقدس باطلاً فقد ضاعت صلاتكم طوال تلك الفترة، وإن كان حقاً فالتوجه إلى المسجد الحرام باطل وصلاتكم إليه باطلة، وقالوا أيضاً: إن هذا النسخ والتغيير للأوامر أو للآيات لا يصدر من الله، وهذا دليل على أن محمداً لا يتلقى الوحي من الله. وتتبين لنا ضخامة ما أحدثته هذه الحملة في نفوس بعض المسلمين وفي الصف الإسلامي، من خلال مراجعة ما نزل من القرآن في هذا الموضوع، من قوله تعالى {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} (البقرة:106) وما بعدها من الآيات الكريمة.
وأما حكمة تحويل القبلة واختصاص المسلمين بقبلة خاصة بهم يتجهون إليها، فقد كان هذا حدثاً عظيماً في تاريخ الجماعة المسلمة، وكانت له آثار مهمة في حياتها، وبيان ذلك: أن تحويل القبلة أولاً عن الكعبة إلى المسجد الأقصى كان لحكمة تربوية أشار إليها قوله تعالى {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه} (البقرة:143) فقد كان العرب يعظمون البيت الحرام في جاهليتهم، ويعدونه عنوان مجدهم القومي، ولما كان الإسلام يريد استخلاص القلوب لله، وتجريدها من التعلق بغيره، وتخليصها من كل نعرة طائفية ومن كل عصبية جاهلية ، فقد نزعهم نزعاً من التوجه قبل البيت الحرام، واختار لهم التوجه قبل المسجد الأقصى، ليخلص نفوسهم من رواسب الجاهلية، وليظهرَ من يتبع الرسول اتباعاً مجرداً من كل شائبة أخرى، اتباع الطاعة والاستسلام لله ورسوله، ممن ينقلب على عقبيه، اعتزازاً بنعرة جاهلية تتعلق بالجنس والقوم والأرض والتاريخ، حتى إذا استسلم المسلمون واتجهوا إلى القبلة التي وجههم إليها الرسول صلى الله عليه وسلم، - وفي الوقت ذاته بدأ اليهود يتخذون من هذا الوضع حجة لهم - نزل أمر الله بالتوجه إلى المسجد الحرام، ولكنه ربط قلوب المسلمين بحقيقة أخرى في شأن هذا البيت، وهي حقيقة الإسلام، حقيقة أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون خالصاً لله، وليكون تراثاً للأمة المسلمة التي نشأت تلبية لدعوة إبراهيم ربه أن يبعث في بنيه رسولاً منهم بالإسلام، {ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} (البقرة:129).
وكان الحديث عن المسجد الحرام، عن بنائه وعمارته وما أحاط بهما من ملابسات ، والجدل مع أهل الكتاب والمشركين حول إبراهيم وبنيه ودينه وقبلته وعهده ووصيته، خير تمهيد للحديث عن تحويل قبلة المسلمين، من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بعد هذه الفترة. فإن الوارثين الحقيقيين لنبي الله إبراهيم عليه السلام هم المسلمون لا اليهود، الذين زعموا كذباً أن إبراهيم عليه السلام كان يهودياً، قال الله تعالى راداً عليهم {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين} (آل عمران :67).
وخلاصة الأمر في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، أن الله سبحانه يفعل ما يشاء، ويشرع ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا رادَّ لقضائه، وفي قضائه الحكمة البالغة المنزهة عن العبث، وأن أحكامه سبحانه شرعت لِحِكَمٍ قد نعلمها ونقف عليها وقد تغيب عنا، وما على المسلم إلا الاستسلام لأمره والانقياد له سبحانه، والحمد لله رب العالمين.
شرع الجهاد لأول مرة في العهد المدني ، وقبل ذلك كان المسلمون مأمورين بعدم استعمال القوة في مواجهة المشركين وأذاهم، فكان الشعار المعلن ( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة ) (النساء :77) . فقد كانت الدعوة في المرحلة المكية جديدة مثل النبتة الصغيرة تحتاج إلى الماء والغذاء والوقت لترسخ جذورها وتقوى على مواجهة العواصف ، فلو واجهت الدعوة آنذاك المشركين بحد السيف فإنهم يجتثونها ويقضون عليها من أول الأمر ، فكانت الحكمة تقتضي أن يصبر المسلمون على أذى المشركين ، وأن يتجهوا إلى تربية أنفسهم ونشر دعوتهم.
فلما قامت للإسلام دولة في المدينة، شرع الله الجهاد دفاعاً عن النفس فقط في أول الأمر: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39) . (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190) ثم أذن بمبادرة العدو للتمكين للعقيدة من الانتشار دون عقبات، ولصرف الفتنة عن الناس ليتمكنوا من اختيار الدين الحق بإرادتهم الحرة (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (البقرة:193) .
وقد التزم المقاتلون المسلمون بضوابط الحق والعدل والرحمة، فسجل التاريخ لهم انضباطهم الدقيق، حيث لم ترد أية إشارة إلى القيام بمجازر، أو سلب الأموال، أو الاعتداء على الأعراض في المناطق المفتوحة مما يقع عادة في الحروب المدنية خلال مراحل التأريخ المختلفة . وقبل ذلك كله لم تفرض العقيدة الإسلامية بالقوة على سكان المناطق المفتوحة ، بل سمح لأهل الكتاب بالمحافظة على أديانهم الأخرى ، ولا زالوا يعيشون بأديانهم حتى الوقت الحاضر بسبب السماحة الدينية.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين للمسلمين ضرورة اقتران النية بالجهاد ، وأن لا يكون الدافع إلى القتال الحصول على الغنائم، أو الرغبة في الشهرة والمجد الشخصي، أو الوطني، فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ) رواه مسلم
بل لا بد من إخلاص النية لله بأن لا يقترن القصد من الجهاد بأي غرض دنيوي لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا له وابتغي به وجهه .
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (تضمَّن الله لمن خرج في سبيله ، لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي ، وإيماناً بي ، وتصديقاً برسلي ، فهو عليَّ ضامن أن أدخله الجنة ، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة ، والذي نفس محمد بيده ما من كلم ـ جرح ـ يكلم في سبيل الله إلا ما جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم ، لونه لون دم ، وريحه مسك ، والذي نفس محمد بيده ، ! لولا أن يشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً ، ولكن لا أجد سعة فأحملهم ، ولا يجدون سعة ، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني ، والذي نفس محمد بيده ! لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل ، ثم أغزو فأقتل ، ثم أغزو فأقتل ) رواه مسلم .
ومن الصعب تقديم النماذج الكثيرة التي توضح أثر هذه التوجيهات النبوية على نفسية المقاتل المسلم ، ولكن يمكن اختيار نموذجين لمقاتلين من عامة الجند ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين أثناء القتال في غزوة أحد : ( قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ، فسمعه عمير بن الحمام الأنصاري فقال : يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض !؟ قال: نعم فقال بخ بخ ـ كلمة تقال لتعظيم الأمر في الخير ـ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يحملك على قولك بخ بخ ؟ قال : لا والله يا رسول الله إلا رجاءة أن كون من أهلها . قال : فإنك من أهلها . فأخرج تمرات من قرنه ، فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة ، قال : فرمي بما كان معه من التمر وقاتلهم حتى قتل ) رواه مسلم .
فهذا النموذج الأول.
وأما الثاني : فقد صح أن أعرابياً شهد فتح خبير، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أثناء المعركة أن يقسم له قسماً وكان غائبا ، فلما حضر أعطوه ما قسم له ، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما على هذا اتبعتك ، ولكني اتبعتك على أرمي هاهنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم فأدخل الجنة . قال : ( إن تصدق الله يصدقك ) قال : فلبثوا قليلا ، ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفنه النبي صلى الله عليه وسلم بجبته ، وصلى الله عليه ودعا له ، فكان مما قال : ( اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك فقتل شهيدا ، وأنا عليه شهيد ) مصنف عبد الرازق
فهذه الرواية شاهد قوي على ما يبلغه الإيمان من نفس أعرابي ألف حياة الغزوة والسلب والنهب في الجاهلية فإذا به لا يقبل ثمنا لجهاده إلا الجنة ، فكيف يبلغ الإيمان إذاً من نفوس الصفوة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! .
أقسام الجهاد
يكون الجهاد بالكلمة ، وبالمال ، وبالنفس ، وفيما يلي تعريف بكل قسم من هذه الأقسام :
الجهاد بالكلمة
إن المقصود بالجهاد بالكلمة هو الدعوة إلى الله تعالى ، ببيان العقيدة والشريعة وتربية الناس وفقها ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وتوجيه النصح للحاكم، وخاصة إذا كان جائراً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ) رواه أبو داود وقال : ( سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله ) . أبو داود وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ، وذلك لأن الناس تهاب الظالم ولا تنصحه مما يؤدي إلى الطغيان والانحراف عن الاستقامة والمخالفة لدين الله ، فكان أجر من يسعى إلى تقويم الحاكم الجائر عظيماً ، لأن عودته إلى الاستقامة وطاعة الله تعالى تؤدي إلى إحياء فريضة الجهاد في المجتمع، وتهيئة الأمة روحياً وجسمياً وفكرياً لمتطلباته .
الجهاد بالمال:
حض الإسلام على الجهاد بالمال ، لما له من أثر كبير في تجهيز الجيوش بالسلاح والأدوات والتدريب ، مما يقتضي صرف الأموال الوفيرة ، وتقوم الدولة في الوقت الحاضر بهذا الواجب، فتصرف من الموارد العامة على إعداد الجيوش ، وعند الحاجة، أو نقص الموارد، فيجب على أغنياء المسلمين دعم الجهاد بأموالهم ، قال تعالى : (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (التوبة:41) .
وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أفضل ؟ فقال : ( مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله ) رواه البخاري .
الجهاد بالنفس:
يحرص الإسلام على السلم ، ويدعو الناس إلى الدخول فيه ، كما يحرص على هدايتهم ، بالبيان والترغيب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ل علي رضي الله عنه . حين وجهه لقتال يهود خبير : ( لئن يهدي الله بك رجلا خبر من أن يكون لك حمر النعم ) رواه مسلم
ولكن الإسلام يحث أيضا على القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الدين ، أو الدفع عن أرض المسلمين إذا هوجموا من عدوهم ، والجهاد بالنفس من فروض الكفايات إذا قام به البعض سقط عن الباقين ، إلا عندما تغزى أرض المسلمين فإنه يصبح فرض عين يقوم به كل قادر على القتال، قال تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15).
وخاتمة القول: إن الجهاد شرع في الوقت المناسب، وشرع لإقامة الحق والعدل، ونشر رسالة الإسلام وإزاحة العوائق من أمام هذه الرسالة لتصل للناس أجمعين، والله نسأله أن يرفع راية الجهاد وينصر المجاهدين في كل مكان والحمد لله رب العالمين.
الحاكم بأمر الله
تطلق "الهجرة" على الترك والتخلي عن الشيء , فالمهاجر من هجر ما نهى الله عنه - كما في الحديث الشريف - , وهي بهذا المعنى مطلقة من قيود الزمان والمكان , إذ بوسع كل مسلم أن يكون مهاجراً بالالتزام بأوامر الله والهجر للمعاصي .
لكن الهجرة النبوية تتعلق بترك الموطن والانخلاع عن المكان بالتحول عنه الى موطن آخر ابتغاء مرضاة الله رغم شدة تعلق الانسان بموطنه وألفته للبيئة الطبيعية والاجتماعية فيه , وقد عبّر المهاجرون عن الحنين الى مكة بقوة وخاصة في أيامهم الأولى حيث تشتد لوعتهم .
وتحتاج الهجرة الى القدرة على التكيف مع الوسط الجديد "المدينة المنورة" حيث يختلف مناخها عن مناخ مكة فأصيب بعض المهاجرين بالحمى , كما يختلف اقتصادها الزراعي عن اقتصاد مكة التجاري , فضلاً عن ترك المهاجرين لاموالهم ومساكنهم بمكة . لكن الاستجابة للهجرة كانت أمراً إلهياً لابد من طاعته , واحتمال المشاق من أجل تنفيذه . فقد اختار الله مكان الهجرة , كما في الحديث الشريف "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة الى أرض بها نخل , فذهب وهلي الى أنها اليمامة أو هجر , فاذا هي المدينة يثرب" .
وما أن بدأ التنفيذ حتى مضت مواكب المهاجرين تترى نحو الموطن الجديد .. دار الهجرة .. وقد شاركت المرأة في حدث الهجرة المبارك منهن أم سلمة هند بنت أبي أمية التي تعرضت لأذى بالغ من المشركين الذين أرادوا منعها من الهجرة ثم استلوا ابنها الرضيع منها حتى خلعوا يده ..
لكنها صممت على الهجرة ونجحت في ذلك رغم الاخطار والمصاعب . وخلدت أسماء بنت أبي بكر ذكرها في التأريخ وحازت لقب ذات النطاقين عندما شقت نطاقها نصفين لتشد طعام المهاجرَين , رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبي بكر رضي الله عنه وقد تتابعت هجرة النساء في الاسلام حتى شرعت في القرآن {إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} - الممتحنة 10 - ونزلت الآيات الكريمة تأمر بالهجرة وتوضح فضلها منذ السنة التي وقعت فيها لغاية سنة 8هـ عند أوقفت الهجرة بعد فتح مكة واعلان النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله ( لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونيّة وإذا استنفرتم فانفروا ) .
والأمر بالهجرة الى المدينة لانها صارت مأرز الايمان وموطن الاسلام , وشرع فيها الجهاد لمواجهة الاعداء المتربصين بها من قريش واليهود والأعراب , فكان لابد من امدادها بالطاقة البشرية الكافية مما يفسر سبب نزول القرآن بهذه الآيات الواعدة للمهاجرين : {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله} - البقرة 218 - {والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة} - النحل 41 - {ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة} - النساء 100 - .
وقد حاز المهاجرون شرفاً عظيماً في الدنيا فضلاً عن ثواب الله ووعده الكريم , فقد اعتبروا اهل السبق في تأسيس دولة الاسلام فنالوا رضى الله والقربى منه {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم } - التوبة 100 - . وهكذا خلد الله ذكرهم في القرآن الذي يتعبد المسلمون بتلاوته الى آخر الزمان .
الهجرة من سنن النبيين عليهم السلام
لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أول نبي يهاجر في سبيل الله بل مرّ بهذا الامتحان كثير من الانبياء .. وقد أخبرنا الله تعالى بأن ابراهيم عليه السلام هاجر من موطنه الى مصر وغيرها داعياً الى التوحيد , وأن يعقوب و يوسف عليهما السلام هاجرا من فلسطين الى مصر وأن لوطاً هجر قريته لفسادها وعدم استجابتها لدعوته . وأن موسى عليه السلام هاجر بقومه من مصر الى سيناء فراراً بدينه من طغيان فرعون .
وهكذا فان الهجرة من سنن النبيين , وقد كانت هجرة نبينا عليه الصلاة والسلام خاتمة لهجرات النبيين . وكانت نتائجها عميقة شكلت منعطفاً تاريخياً حاسماً .
المنعطف الحاسم
لقد أدت الهجرة الى قيام دولة الاسلام في المدينة , والتي أرست ركائز المجتمع الاسلامي على أساس من الوحدة والمحبة والتكافل والتآخي والحرية والمساواة وضمان الحقوق , وكان الرسول صلى الله عليه وسلم هو رئيس هذه الدولة وقائد جيوشها وكبير قضاتها ومعلمها الأول . وقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم شريعة الاسلام , وكان القرآن ينزل بها منجماً , فكان الصحابة يدرسون ما ينزل ويطبقونه على أنفسهم , ويتعلمون تفسيره وبيانه من النبي صلى الله عليه وسلم فتكون جيل رباني تمكن من الجمع بين عبادة الله وعمران الحياة وعمل تحت شعار : اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا .
وفي خلال عقد واحد توحد معظم الجزيرة العربية في ظل الإسلام ، ثم انتشر في خلال عقود قليلة تالية ليعم منطقة واسعة امتدت من السند شرقاً الى المحيط الأطلسي غرباً حيث آمن الناس بالاسلام ، واستظلوا بشريعته العادلة واقاموا حضارة زاهرة آتت أكلها قروناً طويلة في حقول التشريع والتربية وعلوم الكون والطبيعة , فكانت أعظم آية . والحمد لله رب العالمين.
الحاكم بأمر الله
واجهت الدعوة الإسلامية حرباً شعواء من الزعامات التي كانت في جزيرة العرب آنذاك، لان هذه الزعامات التي تحكمت في رقاب الناس، وهيمنت عليهم، علمت أن قيام دولة للإسلام معناه زوال ملكها، وتسلطها على الرقاب، ولذلك عملوا جاهدين لمنع قيام هذه الدولة وسيادتها وحكمها بما أنزل الله من كتاب، وسنقف على هذه الحرب، وهذه المواجهة في المقال التالي:
مواجهة المشركين:
أمر الله تعالى المسلمين بالجهاد في سبيل الله , وقتال المشركين , وذلك للتمكين للعقيدة الإسلامية من الانتشار دون أية عقبات تضعها قوى الشرك , فقال تعالى : { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله } (الأنفال 36) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اغزوا باسم الله في سبيل الله , اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا وليداً " رواه مسلم .
وقد بدأت مواجهة المشركين في سرايا وجهها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طريق التجارة المكية نحو الشام , ثم جرت الغزوات الكبيرة بين قريش والمسلمين وأهمها غزوة بدر:
كانت قريش في حالة حرب مع المسلمين , وقد صادرت أموال المهاجرين منهم , وهي تتربص بهم للنيل منهم , لذلك حرص المسلمون على إضعافها بالتعرض لقوافلها التجارية التي تمر بالقرب من المدينة في طريقها إلى الشام , وقد علموا أن قافلة كبيرة يحرسها ثلاثون رجلاً - كانت تحمل أموالا عظيمة لقريش - في طريقها إلى من الشام إلى مكة وإنها ستمر بهم , فندب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه للخروج لأخذها . فخرج ثلثمائة وتسعة عشر رجلاً , وكان معهم سبعون بعيراً يتعاقبون على ركوبها . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم و أبو لبابة و علي بن أبي طالب رضي الله عنهما يتعاقبون على بعير واحد , فأرادا أن يؤثراه بالركوب فقال : " ما أنتما بأقوى مني , ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما " . ويا لروعة هذا الموقف عندما يستوي القائد والجند في تحمل الشدائد , وقد تملكهم الصدق والإخلاص في التطلع إلى رضوان الله وثوابه وكيف لا يحتمل الجند المشاق وقائدهم يسابقهم في ذلك , ولا يرضى أن يكون دونهم في مواجهتها , وهو شيخ في الخامسة والخمسين من عمره , وقد بلغ أبو سفيان الذي كان يقود القافلة القرشية خبر خروج المسلمين لأخذها , فسلك بها طريق الساحل , وأرسل يستنفر قريشاً , فخرجت دفاعاً عن قافلتها , ولم يتخلف أحد من فرسانها ورجالها إلا البعض , ومن تخلف أرسل بدله رجلاً . حتى بلغ جيشها ألف مقاتل معهم القيان يضربن بالدفوف ويغنين بهجاء المسلمين فلما بلغ المشركون الجحفة (شرق رابغ) علموا بنجاة القافلة , ولكنهم أصروا على المضي في حملتهم ضد المسلمين بهدف تحرير طريق التجارة من سيطرتهم نهائياً .
وكان المسلمون قد وصلوا الى بدر , وقاموا باستطلاع المكان , وعلموا بنجاة القافلة وقدوم جيش المشركين , واستشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه , واهتم بمعرفة رأي الأنصار , لأنهم كانوا قد بايعوه على الدفاع عنه داخل المدينة ، ولم يبايعوه على القتال الهجومي , فوقف المقداد بن عمرو من المهاجرين فقال : إمض يارسول الله , إمض لما أراك الله , فنحن معك , والله لا نقول لك كما قال بنو اسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون , ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا أنا معكما مقاتلون , فوالذي بعثك بالحق لوسرت بنا الى برك الغماد - مكان باليمن - لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه .وقال سعد بن معاذ - زعيم الأوس - : والله لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟
قال : أجل .
قال : فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ماجئت به هو الحق , وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة لك , فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك , فو الذي بعثك لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد , وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً , إنا لصبر في الحرب , صدق عند اللقاء , لعل الله يريك منا ما تقر به عينك , فسر على بركة الله . فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الصحابة وشجاعتهم واجتماعهم على القتال , وحبهم للتضحية من أجل الاسلام , نظم جيشه , واعطى اللواء - وكان أبيض - إلى مصعب بن عمير , واعطى رايتين سوداوين لعلي و سعد بن معاذ رضي الله عنهما .
وترك المسلمون مياه بدر وراءهم لئلا يستفد منها المشركون . وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون نيام ليلة بدر , فكان يصلي إلى شجرة ويدعو ربه حتى أصبح , وكان من دعائه : " اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تعبد " .
وفي صبيحة يوم السابع عشر من رمضان سنة اثنتين للهجرة , نظم رسول الله صلى الله عليه وسلم حبيشه في صفوف كصفوف الصلاة , وهو أسلوب جديد في القتال يخالف ما جرت عليه عادة العرب من القتال بإسلوب الكر والفر . وقد بدأ القتال بمبارزات فردية ثم بدأ الهجوم والالتحام , وكانت نتيجته مقتل عدد من زعماء المشركين منهم أبو جهل عمرو بن هشام , أمية بن خلف . وقد أمدّ الله تعالى المسلمين بالملائكة قال تعالى { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلّة , فاتقوا الله لعلكم تشكرون . إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } (آل عمران 123-124)
وبلغ عدد قتلى المشركين سبعين رجلاً , وأسر منهم سبعون , ثم فروا تاركين غنائم كثيرة في الميدان , وأقام ببدر ثلاثة أيام ودفن شهداء المسلمين فيها , وهم أربعة عشر شهيداً . وقد تمت مفاداة الأسرى بالمال , وقد عاتب الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبوله الفداء , ولكن أحل للمسلمين ما أخذوه من الفداء , وصار الحكم في الأسرى بعد ذلك للإمام إن شاء فاداهم .
وأما الغنائم فقد أخذ منها الخمس للنبي صلى الله عليه وسلم ،وقسم الباقي بين المقاتلين وقد استوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسرى خيراً إلا اثنين من ائمة الكفر هما النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لما سبق منهما من أذى بليغ للمسلمين , ولكن بقية الاسرى كانوا ينالون أفضل ما عند المسلمين من الطعام , فقد حكى الأسير أبو عزيز بن عمير أن آسيرته كانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصّوه بالخبز وأكلوا التمر لوصيّته رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاسرى .
وقد كانت موقعة بدر - رغم صغر حجمها - فاصلةً في تأريخ الاسلام , لذلك سماها الله تعالى في كتابه بـ "يوم الفرقان" لانه فرق بها بين الحق والباطل , وكانت اصداؤها عميقه في المدينة ومكة وأرجاء الجزيرة العربية , فاعتاظ اليهود في المدينة من انتصار المسلمين , وبدأوا التحرش بهم , ودخل الكثيرون من المشركين في الاسلام وبعضهم دخل نفاقا لقوة الاسلام , وبذلك ظهر المنافقون في المجتمع المدني . وأما الاعراب في الجزيرة العربية فقد هابوا المسلمين , وأما قريش فقد صممت على الثأر والانتقام. كما سيأتي معنا في المعارك التي كانت بين المسلمين والمشركين، وبالله التوفيق.
معركة بدر من المعارك الفاصلة في تاريخ الإسلام ، ولذلك سماها الله عز وجل في كتابه يوم الفرقان ، فقال سبحانه : { وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير } ( الأنفال 41) ، فقد فرقت بين الحق والباطل ، وكان لها أعظم الأثر في إعلاء شأن الإسلام ، وإعزاز المسلمين ، ومما يؤكد خطورة هذه المعركة وأهميتها البالغة في تحديد مصير الدعوة ، دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو بالعريش ، حين قال : ( اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم ) ، وهو يوحي بأهمية يوم بدر وخطورة نتائجه ، وجاءت العديد من الأحاديث النبوية في بيان فضل البدريين وعلو مقامهم ، وقد حفلت هذه الغزوة العظيمة بالكثير من الفوائد والدروس المهمة .
فعرف المسلمون فيها حقيقة النصر وسننه وأسبابه ، وأنه من عند الله تعالى ابتداء وانتهاء وليس بيد أحد من العباد ، يمنحه الله من يشاء ويصرفه عمن يشاء ، مهما بلغت قوة العدو وعددهم وعدتهم ، وبين الله ذلك في الآيات من سورة الأنفال التي نزلت عقب الغزوة مباشرة ، فقال سبحانه : { وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم } ( الأنفال 10) .
فطاعة الله ورسوله ، ووحدة الصف ، واجتماع الكلمة ، كلها أسس ومبادئ للنصر ، خلافاً للمعصية ، وتفريق الكلمة ، والاختلاف في الرأي ، فإنها من أعظم أسباب الفشل والهزيمة قال سبحانه : { وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } ( الأنفال 46) .
والدعاء والتضرع والإلحاح على الله له أثره العظيم في استنزال النصر ، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يجأر إلى الله بالدعاء ، وبالغ في التضرع والابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه ، وهو يقول : ( اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعد اليوم ) حتى أشفق عليه أبو بكر من شدة إلحاحه ، فالتزمه وهو يسوي رداءه ويقول : " يارسول الله كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك " .
وقد ظهرت في هذه الغزوة العظيمة صورٌ مشرقة من الولاء والبراء ، والمفاصلة التامة بين الإسلام والكفر ، وتجسدت فيها هذه المعاني في أجلى صورة ، فالتقى الابن بأبيه والأخ بأخيه ، فأبو بكر رضي الله عنه كان يقاتل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان ابنه عبد الرحمن يقاتل مع أبي جهل ، وكان عتبة بن ربيعة أول من بارز المسلمين ، وكان ولده أبو حذيفة من خيار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين دافعوا عنه ، وكان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين ، وكان أخوه أبو عزير بن عمير في صف المشركين ثم وقع أسيراً في يد رجل من الأنصار ، فقال مصعب للأنصاري : شد يدك به ، فإن أمه ذات متاع ، فقال عزير : يا أخي هذه وصيتك بي ؟! فقال مصعب : إنه أخي دونك .
وهكذا ضرب الصحابة رضي الله عنهم للأجيال المؤمنة أروع الأمثلة ، في تجسيد عقيدة الولاء والبراء ، وتعميق الأخوة الإيمانية ، التي تقدم على كل الروابط الأرضية .
وفي هذه الغزوة العظيمة علَّم الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمة مبدأً هاماً يقوم عليه نظام الحكم في الإسلام ، وهو مبدأ الشورى ، وعدم الاستبداد بالرأي دون الرعية ، فاستشار أصحابه قبل بدء المعركة لينظر مدى استعدادهم لخوض الحرب ، وقَبِل مشورة الحباب بن المنذر في تحديد المكان الذي ينبغي أن ينزلوا فيه ، واستشارهم أيضاً بعد انتهاء المعركة في شأن الأسرى .
ومن غزوة بدر نتعلم أهمية ربط الأمة والعاملين للإسلام بالجزاء الأخروي ، وأثر ذلك في التضحية والبذل ، وهذا هو الذي فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، فلما دنا المشركون قال لأصحابه : ( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ) ، ولما اشتدت المعركة وحمي الوطيس ، خرج من مكانه إلى الناس فحرضهم قائلاً : ( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ) .
ولذلك جاءت آيات الأنفال تعاتب المسلمين على بعض الأخلاق والسلوكيات ، التي كان عليهم أن يتنزهوا عنها ، فعاتبهم الله قبل الغزوة وبعدها ، عاتبهم في إرادتهم عدم القتال وتمنيهم إحراز عير قريش فقال عز وجل : {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ، ليحق الحق ويبطل الباطل ولوكره المجرمون } ( الأنفال 7-8) ، وعاتبهم في قضية الأسرى ، فقال سبحانه : { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم ، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } ( الأنفال 67) وكل ذلك من تربية القرآن لهذه الصفوة المؤمنة ، إلى غير ذلك من الدروس والفوائد التي امتلأت بها هذه الغزوة .
فكسر الله في هذا اليوم شوكة المشركين ، وأرهب الأعداء من اليهود والأعراب المتربصين ، وجعله بداية للانتصارات اللاحقة التي أحرزها المسلمون ، وامتن على عباده بقوله : { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } ( آل عمران 123) ، فكانت بالفعل معركة الإسلام ، ويوم الفرقان ، والحمد لله رب العالمين .
لم يغتر المسلمون بالنصر الذي نالوه في بدر، ولم يفتروا عن مراقبة خصومهم من أهل مكة والإعداد لهم، وأخذ الحيطة والحذر منهم، وقد علموا علم اليقين أن مشركي مكة سيفكرون في الانتقام، ولن تثنيهم الكارثة التي حلت بهم في بدر عن هذا التفكير.
وهذا ما حصل بالفعل، فقد رأى أبو سفيان - حفظًا لمكانة قومه وإبرازاً لما لديهم من قوة - أن يقوم بعمل قليل الكلفة وظاهر الأثر، فقرر أن يفاجيء المدينة بغارة خاطفة يعود بعدها وقد ردَّ لقريش بعض سمعتها وهيبتها التي ذهبت في هزيمة بدر، وإضافة لذلك فإن أبا سفيان قد نذر على أن لا يمس رأسه الماء، يعني أن لا يقرب النساء حتى يغزو محمدًا صلى الله عليه وسلم ، وينبغي - عنده - أن يبرَّ قسمه.
فخرج في مائتي راكب من قريش حتى نزل قريبًا من المدينة في مساكن بني النضير ونزل على سلام بن مشكم من سادة اليهود، فتعرف منه على أخبار المسلمين، وتدارسا أجدى الطرق لإلحاق الأذى والضرر بالمسلمين ، والإفلات من قوتهم وعقابهم بعد ذلك.
واهتدى أبو سفيان إلى العمل الذي برّ به قسمه، وحقق به بعض غايته، فهجم برجاله على منطقة يقال لها العريض، وحرقوا بعض النخيل، وقتلوا رجلاً من الأنصار وحليفًا له في بستان لهما، وكل ذلك في جنح الظلام، ثم لاذوا بالفرار عائدين إلى مكة، فكان عملهم أشبه بالقرصنة.
ولما شعر المسلمون بما حدث، وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، سارع إلى مطاردتهم، ولكنهم فروا مسرعين، وجعلوا يرمون ما معهم من المؤن والزاد يتخففون به ليستطيعوا الهروب من غير عائق، وكان أكثر ما معهم السويق، وهو نوع من أنواع الأطعمة التي كانوا يأكلونها، فألقوا سويقًا كثيرًا كان غنيمة للمسلمين، ولذلك سميت هذه المناوشة بغزوة السويق، وقد تمكن أبو سفيان من الهرب، وأفلت من العقاب، وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم مكاناً يقال له قرقرة الكدر، ثم انصرف راجعًا إلى المدينة، ولم تنل قريش من هذه الغارة الفاشلة شيئًا يرفع رأسها، أو يشف غيظها، أو يرد لها كبريائها.
وهكذا : فإن من يُغالِب الله يُغلب، فما زالت قريش في خسارة وذلة وهوان، والرسول صلى الله عليه وسلم في رفعة ونصر وتمكين .قال كعب بن مالك رضي الله عنه واصفًا حال قريش:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها .. .. .. فليُغلبَنَّ مُغالب الغلاَّب
والله نسأل أن ينصر دينه وجنده، ويذل أعداءه، فهو ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.
غزوة ذي أمر
كان النبي صلى الله عليه وسلم في مراقبة دائمة لأعدائه وخصومه الذين يبحثون عن أي فرصة تمكنهم من إلحاق الأذى بالمسلمين، وكان كلما هم هؤلاء الأعداء من الأعراب وغيرهم بمهاجمة المدينة خرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأدبهم وفرق جمعهم، وشتت شملهم، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أنّ جمعاً من غطفان قد تجمّعوا يريدون الإغارة على أطراف المدينة، يتزعمهم دعثور بن الحارث ابن محارب، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم في أربعمائة وخمسين رجلاً ما بين راكب وراجل ، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ذلك في السنة الثالثة للهجرة، وفي أثناء الطريق قبض المسلمون على رجل يقال له جبار من بني ثعلبة فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فأسلم، وصار دليلاً للجيش إلى بلاد العدو، وهرب هؤلاء الأعراب من النبي صلى الله عليه وسلم وتفرقوا في رؤوس الجبال، ونزل صلّى الله عليه وآله وسلّم مكان تجمعهم وهو الماء المسمى بذي أمر فعسكر به قريباً من الشهر، ليُشعِر الأعراب بقوة المسلمين ويستولي عليهم الرعب والرهبة، وقد حصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزة، ومن إكرام الله له في هذه الغزوة أمر عجب .
روى ابن اسحق وغيره من أصحاب المغازي والسير، أن المسلمين في هذه الغزوة أصابهم مطر كثير، فذهب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لحاجته فأصابه ذلك المطر فبلَّل ثوبه، وقد جعل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وادي ذي أمر بينه وبين أصحابه، ثمّ نزع ثيابه فنشرها على شجرة لتجف، ثمّ اضطجع تحتها، والأعراب ينظرون إلى كلّ ما يفعل رسول الله، فقالت الأعراب لدعثور -وكان سيّدهم وأشجعهم- قد أمكنك الله من قتل محمّد، وقد انفرد من أصحابه حيث إن غوّث - أي طلب الغوث والنجدة - بأصحابه لم يُغث حتى تقتله، فاختار سيفاً من سيوفهم صارماً، ثمّ أقبل حتّى قام على رأس رسول الله بالسيف مشهوراً فقال: يا محمّد من يمنعك منّي اليوم؟ قال: الله، ودفع جبريل عليه السلام في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام على رأسه وقال: من يمنعك منّي؟، قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والله لا أُكثِّر عليك جمعاً أبداً، ثم أعطاه رسول الله سيفه ثمّ أدبر، ثمّ أقبل بوجهه ثمّ قال: والله لأنت خير مني، قال رسول الله: أنا أحقّ بذلك منك، فأتى قومه فقالوا له: أين ما كنت تقول، وقد أمكنك الله منه، والسيف في يدك؟ قال: قد كان والله ذلك، ولكنّي نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنّه مَلَك، وشهدت أنّ محمداً رسول الله، والله لا أُكثِّر عليه جمعاً أبداً، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام، ونزلت هذه الآية: {يا أيها الذِين آمَنُوا اذكُرُوا نِعمَةَ الله عَليكُم إذ هَمَ قَومٌ أن يَبسُطُوا إليكم أيديهم فَكَفَّ أيديهم عَنكُم} (المائدة:11).
وهذه القصة ثابتة في الصحيحين بسياق مختلف، وفي غزوة أخري كذلك ، وما في الصحيحين أصح.
ومن هذه الغزوة وما حصل فيها، يتبين لنا أن الله ناصر دينه وجنده، وما على المسلمين إلا أن يبذلوا وسعهم، ويجاهدوا لإعلاء كلمة الله ، والله نسأله أن ينصر المجاهدين في سبيله في كل مكان، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
وفي شوال سنة 3هـ كانت وقعة أحد . وذلك أن الله تبارك وتعالى لما أوقع بقريش يوم بدر ، وترأس فيهم أبو سفيان ، لذهاب أكابرهم ، أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين . ويجمع الجموع ، فجمع قريباً من ثلاثة آلاف من قريش ، والحلفاء والأحابيش . وجاؤوا بنسائهم لئلا يفروا ، ثم أقبل بهم نحو المدينة ، فنزل قريباً من جبل أحد . فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم
أصحابه في الخروج إليهم ، وكان رأيه أن لا يخرجوا ، فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه السكك ، والنساء من فوق البيوت ، ووافقه عبد الله بن أبي -رأس المنافقين- على هذا الرأي ، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة -ممن فاته بدر- وأشاروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج ، وألحوا عليه . فنهض ودخل بيته، ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، فقالوا : استكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج . ثم قالوا : إن أحببت أن تمكث بالمدينة فافعل ، فقال : ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه . فخرج في ألف من أصحابه ، واستعمل على المدينة عبد الله بن أم مكتوم .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رؤيا : رأى أن في سيفه ثلمة ، وأن بقراً تذبح . وأنه يدخل يده في درع حصينة . فتأول الثلمة : برجل يصاب من أهل بيته ، والبقر : بنفر من أصحابه يقتلون ، والدرع بالمدينة ، فخرج ، وقال لأصحابه : عليكم بتقوى الله ، والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو ، وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا . فلما كان بالشوط -بين المدينة وأحد- انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر ، وقال : عصاني . وسمع من غيري ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا ، أيها الناس ؟ فرجع وتبعهم عبد الله بن عمرو -والد جابر- يحرضهم على الرجوع ، ويقول : قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا ، قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع، فرجع عنهم وسبهم . وسأل نفر من الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعينوا بحلفائهم من يهود ، فأبى ، وقال : من يخرج بنا على القوم من كثب؟ . فخرج به بعض الأنصار ، حتى سلك في حائط لمربع بن قيظي من المنافقين -وكان أعمى-، فقام يحثو التراب في وجوه المسلمين ، ويقول : لا أحل لك أن تدخل في حائطي ، إن كنت رسول الله . فابتدروه ليقتلوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقتلوه فهذا أعمى القلب أعمى البصر .
ونفذ حتى نزل الشعب من أحد ، في عدوة الوادي الدنيا ، وجعل ظهره إلى أحد ، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم . فلما أصبح يوم السبت تعبأ للقتال ، وهو في سبعمائة ، منهم خمسون فارساً ، واستعمل على الرماة -وكانوا خمسين- عبد الله بن جبير . وأمرهم : أن لا يفارقوا مركزهم ، ولو رأوا الطير تختطف العسكر ، وأمرهم : أن ينضحوا المشركين بالنبل ، لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم . وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين . وأعطى اللواء مصعب بن عمير ، وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام ، وعلى الأخرى : المنذر بن عمرو . واستعرض الشباب يومئذ ، فرد من استصغر عن القتال -كابن عمر ، وأسامة بن زيد ، والبراء ، وزيد بن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعرابة الأوسي- وأجاز من رآه مطيقاً . وتعبأت قريش ، وهم ثلاثة آلاف . وفيهم مائتا فارس ، فجعلوا ميمنتهم : خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة : عكرمة بن أبي جهل .
ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه إلى أبي دجانة . وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر -عبد عمرو بن صيفي- الفاسق ، وكان يسمى الراهب . وهو رأس الأوس في الجاهلية، فلما جاء الإسلام شرق به ، وجاهر بالعداوة . فذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول ا لله صلى الله عليه وسلم ووعدهم : بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ، فلما ناداهم ، وتعرف إليهم ، قالوا : لا أنعم الله بك عيناً يا فاسق ، فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر . ثم قاتل المسلمين قتالاً شديداً ، ثم أرضخهم بالحجارة . وأبلى يومئذ أبو دجانة، وطلحة، وحمزة، وعلي، والنضر بن أنس، وسعد بن الربيع بلاء حسناً . وكانت الدولة أول النهار للمسلمين ، فانهزم أعداء الله ، وولوا مدبرين ، حتى انتهوا إلى نسائهم ، فلما رأى ذلك الرماة ، قالوا : الغنيمة ، الغنيمة ، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يسمعوا ، فأخلوا الثغر ، وكر فرسان المشركين عليه ، فوجدوه خالياً ، فجاؤوا منه . وأقبل آخرهم حتى أحاطوا بالمسلمين فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة -وهم سبعون- وولى الصحابة . وخلص المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجرحوه جراحات ، وكسروا رباعيته . وقتل مصعب بن عمير بين يديه ، فدفع اللواء إلى علي بن أبي طالب . وأدركه المشركون يريدون قتله ، فحال دونه نحو عشرة حتى قتلوا ، ثم جالدهم طلحة بن عبيد الله حتى أجهضهم عنه ، وترس أبو دجانة عليه بظهره ، والنبل يقع فيه وهو لا يتحرك . وأصيبت يومئذ عين قت ادة بن النعمان ، فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فردها بيده ، فكانت أحسن عينيه . وصرخ الشيطان : إن محمداً قد قتل ، فوقع ذلك في قلوب كثير من المسلمين . فمر أنس بن النضر بقوم من المسلمين قد ألقوا بأيديهم ، فقالوا : قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه . ثم استقبل الناس ، ولقي سعد بن معاذ ، فقال : يا سعد ! إني لأجد ريح الجنة من دون أحد ، فقاتل حتى قتل ، ووجد به سبعون جراحة . وقتل وحشي حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ، رماه بحربة على طريقة الحبشة .
وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو المسلمين ، فكان أول من عرفه تحت المغفر : كعب بن مالك ، فصاح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ! هذا رسول الله ، فأشار إليه : أن اسكت ، فاجتمع إليه المسلمون ، ونهضوا معه إلى الشعب الذي نزل فيه . فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له ، كان يزعم بمكة : أنه يقتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما اقترب منه طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ترقوته ، فكر منهزماً . فقال له المشركون : ما بك من بأس ، فقال : والله لو كان ما بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين ، فمات بسرف . وحانت الصلاة ، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً . وشد حنظلة بن أبي عامر على أبي سفيان ، فلما تمكن منه حمل عليه شداد بن الأسود فقتله ، وكان حنظلة جنباً ، فإنه حين سمع الصيحة وهو على بطن امرأته : قام من فوره إلى الجهاد ، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تغسله . وكان الأصيرم -عمرو بن ثابت بن وقش- يأبى الإسلام ، وهو من بني عبد الأشهل ، فلما كان يوم أحد: قذف الله الإسلام في قلبه للحسنى التي سبقت له . فأسلم وأخذ سيفه ، فقاتل ، حتى أثبتته الجراح ، ولم يعلم أحد بأمره . فلما طاف بنو عبد الأشهل يلتمسون قتلاهم ، وجدوا الأصيرم -وبه رمق يسير ، فقالوا : والله إن هذا الأصيرم ، ثم سألوه : ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك ، أم رغبة في الإسلام ؟ فقال : بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ، ومات من وقته . فذكروه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : هو من أهل الجنة، ولم يصل لله سجدة قط . ولما انقضت الحرب : أشرف أبو سفيان على الجبل ، ونادى : أفيكم محمد ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم ابن ا لخطاب ؟ فلم يجيبوه ، فقال : أما هؤلاء فقد كفيتموهم ، فلم يملك عمر نفسه أن قال : يا عدو الله ! إن الذين ذكرتهم أحياء ، وقد أبقى الله لك منهم ما يسوءك ، ثم قال : اعل هبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا تجيبوه ؟، قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله أعلى وأجل، ثم قال : لنا العزى ، ولا عزى لكم ، قال : ألا تجيبوه ؟ قالوا : ما نقول ؟ قال : قولوا : الله مولانا ، ولا مولى لكم ، ثم قال : يوم بيوم بدر ، والحرب سجال ، فقال عمر : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . وأنزل الله عليهم النعاس في بدر وفي أحد ، والنعاس في الحرب من الله ، وفي الصلاة ومجالس الذكر : من الشيطان . وقاتلت الملائكة يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ففي الصحيحين عن سعد ، قال : رأيت رسول الله يوم أحد ، ومعه رجلان يقاتلان عنه ، عليهما ثياب بيض ، كأشد القتال ، وما رأيتهما قبل ولا بعد . ومر رجل من المهاجرين برجل من الأنصار -وهو يتشحط في دمه- فقال : يا فلان ! أشعرت أن محمداً قتل ؟ فقال الأنصاري : إن كان قد قتل فقد بلغ ، فقاتلوا عن دينكم ، فنزل : وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل الآ ية . وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص ، اختبر الله عز وجل به المؤمنين ، وأظهر به المنافقين ، وأكرم فيه من أراد كرامته بالشهادة ، فكان مما نزل من القرآن في يوم أحد : إحدى وستون آية من آل عمران ، أولها : وإذ غدوت من أهلك تبوء المؤمنين مقاعد للقتال الآيات . ولما انصرفت قريش تلاوموا فيما بينهم ، وقالوا : لم تصنعوا شيئاً ، أصبتم شوكتهم ، ثم تركتموه ، وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فارجعوا حتى نستأصل بقيتهم . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنادى في الناس بالمسير إليهم ، وقال : لا يخرج معنا إلا من شهد القتال ، فقال له ابن أبي : أركب معك ؟ قال : لا . فاستجاب له المسلمون -على ما بهم من القرح الشديد- وقالوا : سمعاً وطاعة . وقال جابر : يا رسول الله ! إني أحب أن لا تشهد مشهداً إلا كنت معك ، وإنما خلفني أبي على بناته ، فائذن لي أن أسير معك . فأذن له . فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ، حتى بلغوا حمراء الأسد ، فبلغ ذلك أبا سفيان ومن معه، فرجعوا إلى مكة. وشرط أبو سفيان لبعض المشركين شرطاً على أنه إذا مر بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه : أن يخوفهم ، ويذكر لهم : أن قريش اً أجمعوا للكرة عليكم ليستأصلوا بقيتكم ، فلما بلغهم ذلك قالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل . ثم دخلت السنة الرابعة . فكانت فيها وقعة خبيب وأصحابه ، في صفر .
بعد الانتصار الذي حققه المسلمون في غزوة بدر ، شاء الله أن يمتحن عباده المؤمنين ، ليميز الصادقين من المنافقين ، فكانت غزوة أحد التي حصل فيها ما حصل للرسول - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من الصحابة ، وأنزل الله على إثرها آيات تتلى إلى يوم الدين ، فنزلت ثمان وخمسون آية من سورة آل عمران ، تتحدث عن هذه الغزوة ، ابتدأت بذكر أول مرحلة من مراحل الإعداد للمعركة في قوله تعالى : {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال } ( آل عمران 121) ، وانتهت بالتعليق الجامع على نتائج المعركة ، والحكم التي أرادها الله منها فقال سبحانه : { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب } ( آل عمران 179) .
لقد وصفت هذه الآيات المعركة وصفاً دقيقاً ، وسلطت الضوء على خفايا النفوس ، ودخائل القلوب ، وكان فيها تربية للأمة في كل زمان ومكان ، ودروساً تتوارثها الأجيال تلو الأجيال ، وهذه لمحة خاطفة عن بعض الفوائد والحكم الربانية المستفادة من هذه الغزوة العظيمة .
ففي غزوة أحد ظهر أثر المعصية والفشل والتنازع في تخلف النصر عن الأمة ، فبسبب معصية واحدة خالف فيها الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، وبسب التنازع والاختلاف حول الغنائم ، ذهب النصر عن المسلمين بعد أن انعقدت أسبابه ، ولاحت بوادره ، فقال سبحانه : { ولقد صدقكم الله وعده إذ تحُسُّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم } ( آل عمران 152 ) ، فكيف ترجو أمة عصت ربها ، وخالفت أمر نبيها ، وتفرقت كلمتها أن يتنزل عليها نصر الله وتمكينه ؟.
وهذه الغزوة تعلمنا كذلك خطورة إيثار الدنيا على الآخرة ، وأن ذلك مما يفقد الأمة عون الله ونصره وتأييده ، قال ابن مسعود : " ما كنت أرى أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الدنيا حتى نزل فينا يوم أحد { منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة } " ، وفي ذلك درس عظيم يبين أن حب الدنيا والتعلق بها قد يتسلل إلى قلوب أهل الإيمان والصلاح ، وربما خفى عليهم ذلك ، فآثروها على ما عند الله ، مما يوجب على المرء أن يتفقد نفسه وأن يفتش في خباياها ، وأن يزيل كل ما من شأنه أن يحول بينها وبين الاستجابة لأوامر الله ونواهيه .
ومن الحكم إكرام الله بعض عباده بنيل الشهادة ، التي هي من أعلى المراتب والدرجات ، فأراد عز وجل أن يتخذ من عباده شهداء تراق دماؤهم في سبيله ، ويؤثرون محبته ورضاه على نفوسهم ، قال سبحانه : { ويتخذ منكم شهداء } .
وفي غزوة أحد تأكيد لسنة الله في الصراع بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، فقد جرت سنة الله في رسله وأتباعهم أن تكون الحرب سجالاً بينهم وبين أعدائهم ، فيدالوا مرة ويدال عليهم أخرى ، ثم تكون لهم العاقبة في النهاية ، ولئن انتفش الباطل يوماً وكان له صولات وجولات ، إلا أن العاقبة للمتقين ، والغلبة للمؤمنين ، فدولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة ، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا .
والجنة عزيزة غالية لا تُنال إلا على جسر من المشاق والمتاعب ، والنصر الرخيص السهل لا يدوم ، ولا يدرك الناس قيمته ، ولذلك قال الله : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } ( آل عمران 142) .
ولا بد أيضاً من الأخذ بأسباب النصر المادية والمعنوية مع التوكل على الله والاعتماد عليه ، فقد ظاهر النبي صلى الله عليه وسلم بين درعين ، ولبس لأْمَة الحرب ، وكافح معه الصحابة ، وقاتل عنه جبريل وميكائيل أشد القتال ، رغم أن الله عصمه من القتل .
ومن فوائد غزوة أحد تمحيص المؤمنين وتمييزهم عن المنافقين ، ومحق الكافرين باستحقاهم غضب الله وعقابه ، وقد جمع الله ذلك كله في قوله : {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ، إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله ، وتلك الأيام نداولها بين الناس ، وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء ، والله لا يحب الظالمين ، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين } ( آل عمران 139 - 140 ) إلى غير ذلك من الحكم والفوائد الكثيرة التي لا يتسع المقام لذكرها .
فهذه الغزوة العظيمة تعد نموذجاً حياً لما يمر به المسلمون اليوم من محن وشدائد ، فما أحرانا أن نقف عندها ، ونستفيد من دروسها وعبرها ، وما أحوج الأمة وهي تمر بهذه المرحلة الحرجة في تاريخها ، أن تراجع نفسها ، وتستعيد ذاكرتها ، وتعي سيرة نبيها صلى الله عليه وسلم .
أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلم صلح الحديبيَّة مع قريش في أواخر سنة ست للهجرة، على مشهد من الصحابة رضي الله عنهم واستغراب من بعضهم؛ لما تضمنته بنود ذلك الصلح من فقرات بدت للوهلة الأولى أنها ليست في صالح المسلمين.
وكان مما جرى في أثناء هذا الصلح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أَوَ لستَ كنتَ تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ فأجابه: (بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوّف به) .
وبالفعل فقد صدق الله رسولَه بما وعد به صحابته، وكتب الله له ولصحابته دخول البيت والطواف به، وأنزل الله بذلك قرآنًا يتلى فقال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً} (الفتح:27).
وتذكُر كتب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدًا مكة، وهو الشهر الذي صدَّه فيه المشركون عن دخولها، فاعتمر عمرة القضاء، وتحدثت قريش فيما بينها أن محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه في عسرة وجَهْد وشدة، فصفَّ له المشركون عند دار الندوة لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد اضطبع بردائه ثم قال: (رحم الله امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة) . ثم استلم الركن وخرج يهرول هو وأصحابه.
ولما مضى على دخوله صلى الله عليه وسلم مكة ثلاثة أيام - وهي المدة التي تم الاتفاق عليها مع قريش - أتوا عليًّا رضي الله عنه فقالوا: قل لصاحبك اخرج عنَّا فقد مضى الأجل، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم منصرفًا إلى المدينة.
لقد كانت عمرة القضاء تصديقًا إلهيًّا لما وعد الله به نبيه عليه الصلاة والسلام من دخول مكة والطواف بالبيت الحرام، وكانت كذلك تصديقًا لما وعد به النبي صلى الله صحابته الكرام. وكانت العمرة تمهيداً لفتح مكة فيما بَعْدُ. وبيان ذلك: أن مشاهدة قريش للعدد الوفير من الأنصار والمهاجرين وهم محدقون برسول الله صلى الله عليه وسلم في طوافهم وسعيهم وباقي مناسكهم، وما كانوا عليه من حماس ونشاط، لم يكن يتوقعه المشركون، أقول: كان لذلك أبلغ الأثر في نفوسهم، فقد داخلتها الرهبة والهيبة للمسلمين، إذ فوجئوا بأمر لم يكونوا يألفوه، بل لم يكونوا يتوقعوه، يُرشد لهذا المعنى ما رواه مسلم في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين لما رأوا رمَل المسلمين (والرَمَل هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخُطا) حول الكعبة قال بعضهم لبعض: "هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم ؟! هؤلاء أجلد من كذا وكذا". فلا جرم أن كان لعمرة القضاء - بالشكل الذي تمت به - أثر بالغ في نفوس المشركين، مهَّد لفتح مكة فيما بَعْدُ .
ومن الدلالات التي نخرج بها من هذا الحدث أهمية إعداد المسلمين في كل عصر ومصر للقوة اللازمة، القوة المعنوية والقوة المادية على حد سواء، وإبرازها في الوقت المناسب ليكون للمسلمين هيبة ورهبة في قلوب أعدائهم المتربصين بهم.
اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد، وخذ بيدها لصالح القول والعمل، والله يتولى الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
الحاكم بأمر الله
الخيانة والغدر وإحداث الشغب ، والفتن ، ونشر الفساد ، مما اشتهر به اليهود قديماً وحديثاً ، وذلك هو خلقهم ، وطبعهم ، وعلاجهم منه ليس بالأمر السهل اليسير ، ولذلك لا ينفع معهم في كثير من الأحيان إلا القتل ، أو الإبعاد ليبقى المجتمع سليماً من كيدهم ومؤامراتهم ، والتاريخ إلى يومنا شاهد بذلك ، فأينما حلوا أفسدوا ، ولم يتقبلهم أي مجتمع ، حتى إخوانهم في الكفر لم يقبلوا بهم .
وصراع المسلمين مع اليهود بدأ منذ أول عهد الرسالة ، وقد أقاموا عهوداً ومواثيق مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ولكنهم سرعان ما نقضوها ، فبعد هزيمة قريش في غزوة بدر ، ازداد غيظ اليهود في المدينة ، وكان من أشدهم يهود بني قينقاع ، فقاموا بإثارة الشغب ، واستفزاز المسلمين ، فجمعهم الرسول صلى الله عليه وسلم ، وطالبهم بالإسلام قبل أن يصيبهم ما أصاب قريشاً ، فقابلوا ذلك بالرفض والصدود ، والاستمرار في الأذى مغترين بما لديهم من آلات الحرب لكونهم صاغة وحدادين وصنّاع فأنزل الله فيهم قوله تعالى : {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد . قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار } (سورة آل عمران 12، 13) .
وذكر ابن كثير ، و ابن هشام أن امرأة من العرب جلست إلى صائغ في سوق بني قينقاع ، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها ، فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها ، فعقده إلى ظهرها ، فلما قامت انكشفت سوأتها ، فضحكوا عليها ، فصاحت ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهودياً فشدت اليهود على المسلم فقتلوه . فحاصرهم المسلمون في حصونهم حتى نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقابهم ، وأموالهم ، ونسائهم ، وذراريهم .
ثم قام عبدالله بن أبي بن سلول مطالباً رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاحٍ شديد أن يعفو عنهم ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فعامله الرسول بالمراعاة ، ووهبهم له ، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه فيها ، فخرجوا إلى أذرعات الشام ، بعد أن قبض منهم الرسول أموالهم ، ولم يلبثوا في الشام حتى هلك أكثرهم ، وكان عددهم سبعمائة رجل ، وهم رهط عبدالله بن سلام .
وهكذا تكون نهاية أهل الغدر والخيانة ، فكيدهم يعود إلى نحورهم ، وتبقى نهاية الظالم قريبة مهما استمر ، فهل يعي يهود اليوم ما أصاب إخوانهم السابقين نتيجة ظلمهم وغدرهم ، ويهود اليوم تجاوزوا الحد ، وفاقوا السابقين ، فهل يعي المسلمون ضررهم ، وخطر وجودهم بينهم ، فاللهم احصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا .
الحاكم بأمر الله
بعد انتهاء غزوة أحد التي حدث فيها ما حدث ، من تمحيص للمؤمنين وكشف لحقيقة المنافقين ، بلغ رسول صلى الله عليه وسلم أن أبا سفيان يعد لقتال المسلمين ، فأمر بلالاً أن ينادي بالناس : إنّ رسول الله يأمركم بطلب عدوكم ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه في أثر أبي سفيان وهم يحملون جراحهم ، وأمر ألا يخرج معه إلا من شهد القتال في أحد ، وقد ذكر القرآن أحداث هذه الغزوة ، فقال الله في كتابه : {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} ( آل عمران: 172) ، وطلب رسول الله العدو حتى بلغ حمراء الأسد .
كان هدف رسول الله من سيره لحمراء الأسد إرهاب العدو ، وإبلاغهم قوة المسلمين ، وأن الذي أصابهم في أُحد لم يكن ليوهنهم عن عدوهم أو يفل من عزيمتهم .
ومر برسول الله معبد بن أبي معبد الخزاعي ، وهو يومئذ مشرك ، وكان مقيماً بحمراء الأسد ، فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن الله عافاك فيهم ، ثم خرج من عند رسول الله ، حتى لقي أبا سفيان ومن معه بالروحاء ، وقد أجمعوا أمرهم على ملاقاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وقالوا : أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم ، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال : محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط ، يتحرقون عليكم تحرقا ، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم ، شيء لم أر مثله قط ، قال : ويلك ما تقول؟ قال : والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل ، قال:فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل شأفتهم ، قال فإني أنهاك عن ذلك ، ووالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر ، قال: وما قلت؟ قال قلت :
كادت تُهَدُّ من الأصوات راحلتي إذ سالت الأرضُ بالجردِ الأبابيلِ
تردى بأسـد كرام لا تنـابلـة عند اللقـــاء ولا ميـل معــازيل
فظلت عدوا أظن الأرض مائلـة لما سموا برئيـس غير مخـــذول
فقلت ويل ابن حرب من لقائكـم إذا تغطمطت البطحـاء بالجيـــل
إني نذير لأهل البسل ضاحيــة لكل ذي أربة منهـــــم ومعقـول
من جيـش أحمد لا وخش قنابله وليس يوصف ما أنذرت بالقيـل
فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه عن ملاقاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانية. ومر بأبي سفيان ركْبٌ من عبد القيس ، فقال: أين تريدون؟ قالوا: المدينة ، قال: ولم؟ قالوا : نريد الميرة ، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه واحمل لكم إبلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا : نعم ، قال: فإذا وافيتموه فاخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه ، والى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، فمر الركب برسول الله وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان ، فقال حسبنا الله ونعم الوكيل ، وفي ذلك أنزل الله قوله تعالى : {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} ( آل عمران:173) و روى البخاري عن ابن عباس قال : "حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها ابراهيم عليه السلام حين ألقي في النار ، وقالها محمد حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا ، وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " .
فبث الله الرعب في قلوب الكفار ، أبي سفيان وأصحابه ، فانصرفوا خائفين وجلين ، وعاد الرسول بأصحابه إلى المدينة .
والذي يُستفاد من أحداث هذه الغزوة وما رافقها من مجريات ، أن الله سبحانه ناصر دينه ، ومؤيد أوليائه ، وأن النصر لا يُحسم بعنصر القوة المادية فحسب ، وإنما هناك عنصر أهم وأجدى ألا وهو عنصر الإيمان بالله والاعتماد والتوكل عليه . ويُستفاد أيضاً - علاوة على ما سبق- أن النصر حليف المؤمنين إذا هيؤوا له أسبابه ، وأعدوا له القوة المعنوية والمادية ؛ فلا شك حينئذ أن الله ناصرهم . وصدق الله القائل في محكم كتابه : {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} (غافر:51).
الحاكم بأمر الله
بعد غزوة أحد أظلت المدينة سحابة حزن لفقد الأحبة شهداء في سبيل الله، وخيم السكون حيناً على الجزيرة العربية، ولم يكن ذلك الهدوء الذي أظل المدينة إلاً بداية لتحزب الأحزاب من ملل الكفر والشرك، يتحيَّنون الفرص ، ويسابقون إلى العداوة، فلا يهنأ لهم بال ولا يقر لهم قرار حتى يكون معقل الإسلام ومدينته تحت أيديهم يجوسون فيها تقتيلاً وإفساداً. {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} (البروج:10).
في السنة الخامسة للهجرة خرجت شرذمة من اليهود إلى كفار مكة ليحرضوهم على غزو المدينة، ومحاولة استئصال شأفة الإسلام، وقَتْل النبي صلى الله عليه وسلم، والتنكيل بأصحابه، ثم خرج ذلك الرهط يحمل الحقد والكراهية للمسلمين نحو غطفان ليكتمل عقد الأحزاب.
وتداعت الجموع، وأقبل الشر بخيله ورجله، فخرجت من الجنوب قريش وكنانة وأهل تهامة، ووافاهم بنو سليم، وخرجت من الشرق قبائل غطفان وكذلك خرجت بنو أسد، واتجهت هذه الأحزاب الكافرة صوب المدينة حتى تجمَّع حولها جيش عظيم يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل.
وأما المسلمون فعددهم قليل، وعدتهم قليلة، وهم في جوع شديد وبرد {وما عند الله خير وأبقى} .
اجتمع الأحزاب حول المدينة لسبب واحد لا غير - وإن اختلفت عقائدهم- ألا وهو صد الناس عن دين الإسلام {ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} (البقرة:217).
وفي هذا الجو المكفهر، والكرب الشديد، انقسم أهل المدينة إلى قسمين:
قسم آمن بوعد الله، وصدق بنصر رسالته {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً} (الأحزاب:22).
فشدوا للقتال، وقدموا المهج والأرواح، وبذلوا الأسباب بحفر الخندق، وحراسة المدينة ليل نهار، مع ما أصابهم من الجوع والتعب، فقد كان طعام الجيش قليلاً من التمر، وقد يلبثون الأيام والليالي لا يذوقون طعاماً، وكان أشد أمر عليهم بروز النفاق وسط الصف المسلم، وفشل الناس، واشتداد الخوف على الذراري والنساء.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الوقت العصيب يبشرهم بأمر عظيم، قال البراء رضي الله عنه: (لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول صلى الله عليه وسلم فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، فقال: الله أكبر، أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتح اليمن، والله إني لأبصر صنعاء من مكاني) رواه البخاري .
وأما أهل النفاق وضعفاء النفوس فقد تزعزعت قلوبهم وانخلعت صدورهم لرؤية الجموع والعدد والعدة {وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} (الأحزاب:13).
واشتغل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقارعة العدو، وأخذ العدة، وحفر الخندق حتى فاتت المسلمين بعض الصلوات وبقيت هذه الحالة العصيبة أياماً وليالي، وزادها سوءاً نقض بني قريظة العهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فاكتمل عقد الأحزاب حول المدينة الصامدة، ولم بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم غدر بني قريظة تقنع بثوبه واضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض يقول: الله أكبر، ابشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الأيام الصعبة يبعث الحرس إلى المدينة لئلا تؤتى الذراري والنساء على حين غفلة، فالأمر مهول والأحزاب تُسمع أصواتهم، والنبال تصل إلى خيل المسلمين، وقد وصف الله عز وجل تلك الساعات العصيبة بوصف عجيب كأن العين تراهم، فقال تعالى: {وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً} (الأحزاب:10- 11).
ولما أمر الله عز وجل بانجلاء الغمة، وتفريج الكربة، قدَّر أمراً من عنده، خذل به العدو وهزم جموعهم وفلَّ حدهم، وساق نعيم بن مسعود للتفريق بينهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه إلى السماء داعياً (اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، هازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم) متفق عليه
فاستجاب الله الدعاء، وأذن بالنصر، و أرسل جنوداً من الرعب والريح قلبت قلوب المشركين وقدورهم، وقوضت قوتهم وخيامهم، ودفنت رحالهم وآمالهم، فلم تدع قدراً إلا كفأتها، ولا خيمة إلا قلعتها، ولا قلباً إلا أهلعته وأرعبته.
وبعد معركة الأحزاب أزفت البشائر وأشرقت المدينة، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) رواه البخاري .
وفي اجتماع الأحزاب في أزمنة متفرقة ومرات عديدة خلال العصور حكم بالغة، منها الرجوع إلى الله، وصدق التوكل عليه، والإنابة والذل وإظهار الحاجة، وبذل الغالي لهذا الدين، قال تعالى: {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} (التوبة:32). والله نسأله أن ينصر دينه وأوليائه ويذل أعداءه، والحمد لله رب العالمين .
الحاكم بأمر الله
جرت أحداث هذه الغزوة في السنة السادسة من الهجرة ، وسببها أنه لما بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن أبي ضرار - رأس وسيد بني المصطلق- سار في قومه ، وبعض من حالفه من العرب ، يريدون حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ابتاعوا خيلاً وسلاحاً ، وتهيّأوا لذلك ، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بريدة بن الحصيب الأسلمي ؛ ليستطلع له خبر القوم ، فأتاهم حتى ورد عليهم مائهم ، فوجد قوماً مغرورين ، وقد تألبوا وجمعوا الجموع ، ولقي الحارث بن أبي ضرار ، وكلمه ، ورجع إلى رسول الله فأخبره خبرهم ، فندب رسول الله الناس ، فأسرعوا في الخروج ، وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها لقرب السفر ، ورغبة في عرض الدنيا ، واستعمل على المدينة زيد بن حارثة .
وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله إليه ، فخافوا خوفاً شديداً ، وتفرق عنهم من كان معهم من العرب، وانتهى رسول الله إلى المريسيع وهو مكان الماء ، فضرب عليه قبته ، ومعه عائشة و أم سلمة ، و تهيأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لملاقاة القوم .
وجعل راية المهاجرين مع أبي بكر الصديق ، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة ، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فنادى في الناس : قولوا لا إله إلا الله ، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم .
والصحيح من روايات هذه الغزوة أنه لم يكن قتال بين المسلمين والمشركين، وإنما أغاروا عليهم عند الماء ، وسبوا ذراريهم ، وأموالهم ، ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح (أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارّون-المباغتة في القتال- وأنعامهم تسقى على الماء ، فقتل مقاتلتهم ، وسبى ذراريهم ، وأصاب يومئذ جويرية) رواه البخاري و مسلم .
وذكر أصحاب السير أنّ أم المؤمنين جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت : أتانا رسول صلى الله عليه وسلم ونحن على المريسيع ، فأسمع أبي يقول : أتانا ما لا قبل لنا به . قالت : فكنت أرى من الناس والخيل مالا أصفُ من الكثرة ، فلما أسلمتُ ، وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجعنا ، جعلت أنظر إلى المسلمين ، فليسوا كما كنت أرى ، فعلمت أنه رعب من الله تعالى يُلقيه في قلوب المشركين .
وفي هذه الغزوة وقعت حادثة الإفك في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي قص علينا نبأها القرآن ، وفصلت السنة أحداثها ، وقد تحدثنا عنها في مقال سابق من محورنا هذا .
ولنا أن نستفيد من هذه الغزوة دروساً وعبراً ، نستخلصها من الحوادث المصاحبة لهذه الغزوة ، وخاصة حادثة الإفك التي أظهرت خطر المنافقين وجرأتهم ، حتى نالوا من عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ما ينبغي على المؤمن فعله عند سماع الشائعات من حفظ اللسان وعدم الخوض فيها ، يضاف إلى ذلك الصبر والتحلي به ، وعدم التعجل في الأمور عند الابتلاء أسوة بالنبي صلى الله عليه وسلم .
حادثة الإفك
حديث الإفك الذي رميت به أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ما هو إلا حلقة من حلقات التآمر على الدعوة ، ومحاولة تشويه رموزها ، ذلك لأن العدو يعلم أن هذا الدين يقوم على المثال والنموذج والقدوة ، لذلك تتواصل المؤامرات الخارجية والداخلية عليه، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم راجع من إحدى غزواته ، إذ بالمنافقين ومن في قلوبهم مرض يشيعون حرب الشك والريبة والخيانة، وفي أي مكان ؟ ! في عرين الإسلام ومهده ،و يختلقون قصة الإفك لينالوا من بيت النبوة الطاهر ، ومن المعلوم بداهة أن الذين أشاعوا هذه الفرية كانت لهم أهدافهم التي سعوا لها كثيراً والتي منها الطعن في بيت البنوة الشريف، و نشر العدوة والبغضاء بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
ويمكن هنا أن نعرض لمخلص القصة كما وردت في كتب الحديث والسيرة :
خرج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في غزوة بني المصطلق ، وعند الرحيل ليلاً التمست أم المؤمنين قلادة لها فلم تجدها، فذهبت في طلبها ، فحمل الصحابة هودجها - المحل الذي تكون فيه - ووضعوه على البعير ظناً منهم أنها فيه، وكانت خفيفة اللحم ، فلما عادت ظنت أنهم سيفقدونها ويعودون لها، ولكن الصحابة لم ينتبهوا، ونامت في مكان الجيش ، ثم إن صفوان بن المعطل بات في مكان الجيش، فلما رآها عرفها، فأناخ لها راحلته من غير أن يكلمها وأتى بها الجيش. واستغل المنافقون وعلى رأسهم ابن سلول _ كعادتهم_ الواقعة واختلقوا حادثة الإفك بكل أبعادها الإجرامية وحاولوا أن يزرعوا بها الريب في قلوب المؤمنين والصادقين ،وانطلى الأمر على بعض الصحابة مثل حسان بن ثابت و مسطح بن أثاثه و حمنة بنت جحش ، ولكن الغالبية من الصحابة كان لسان حالهم ومقالهم كما قال القرآن { وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} (النور:16)
واشتد البلاء على أم المؤمنين الصديقة العفيفة، وكانت مريضة، ولم تعلم بالقصة، إلا أنها شعرت بفتور غير معتاد في حنان النبي صلى الله عليه وسلم. ولما علمت من أم مسطح الخبر، زاد عليها المرض، و استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الذهاب لوالديها، فأذن لها ، ولما اشتد الكرب كانت تتمثل قول نبي الله يعقوب عليه السلام { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} (يوسف:18) .
وعاش البيت النبوي بل وعاش كل الصادقين شهراً كاملاً في جو الشائعة المغرضة والحزن يخيم على الناس ، ولكن لكل نبأ مستقر ، والفرج مع الكرب.
فبعد كل ما حصل إذ بالوحي يتنزل من السماء يحمل البراءة الدائمة، والحجة الدامغة الخالدة، تشهد بعفاف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وتفضح كل منافق أثيم، قال تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفك عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإثمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ* لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ* وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا الأخرةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ*وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ* يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الأيات وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالأخرةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ *وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [النور:11ـ 20].
وبعد، فإن حادثة الإفك كانت وراءها حكم جليلة قال تعالى { لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } (النور:11) .
فمن هذه القصة علم الناس من هم المنافقون الذين يعملون على خلخلة المجتمع المسلم والعمل على هز أركانه ،كما علم المسلمون كيف يواجهون مثل هذه الإشاعات، وعلموا أن الله يدافع عن الذين آمنوا ، ويفضح كل خوان كفورٍ .
بيعة الرضوان
بعدما وصل رسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الحديبية في طريقهم إلى مكة ، وكانوا محرمين ملبين بالعمرة ، بعث عثمان بن عفان سفيراً إلى قريش لبيان هدفه من المجئ ، وأنه لا يريد قتالاً ، وإنما جاء للعمرة ، فاحتجزت قريشٌ عثمان ، وأشيع بين الناس أنه قُتل ، فدعا رسول الله أصحابه إلى البيعة ، فقاموا إليه ملبين دعوته ، ومبايعين له على الجهاد وعدم الفرار ، وبايعته جماعة على الموت ، وكان أول من بايعه أبو سنان الأسدي ، وبايعه سلمة بن الأكوع على الموت ثلاث مرات ، في أول الناس ، ووسطهم ، وآخرهم ، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد نفسه ، وقال : هذه عن عثمان ، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين ، يقال له : جد بن قيس .
وقد أخذ رسول الله هذه البيعة تحت شجرة بالحديبية ، وقد أنزل فيها قوله تعالى : {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } (الفتح: 18) ، وفيه دلالة على صحة إيمان الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان بالحديبية ، وصدق بصائرهم , وأنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة أولياء لله ; إذ غير جائز أن يخبر الله برضاه عن قوم بأعيانهم ، إلا وباطنهم كظاهرهم في صحة البصيرة ، وصدق الإيمان , وقد أكد ذلك بقوله تعالى : { فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم } , وهذا يدل على أن التوفيق يصحب صدق النية , وهو مثل قوله : { إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما} (النساء : 35) .
أما بالنسبة لعددهم ، فيروى عن ابن عباس أنهم : " كانوا ألفين وخمسمائة " , وعن جابر أنهم : " ألفا وخمسمائة " .
وتعتبر بيعة الرضوان فتحاً للمسلمين ، ففي صحيح البخاري عن البراء رضي الله عنه قال : تعدون أنتم الفتح فتح مكة ، وقد كان فتح مكة فتحاً ، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية .
وذلك لما ترتب عليها من مصالح وفوائد ، فعندما علمت قريش بتلك البيعة ، ومدى صلابة المسلمين ، وقوتهم ، وصبرهم ، وثباتهم مع قائدهم صلى الله عليه وسلم ، أرسلت إليهم للتفاوض معهم ، وقبول الصلح .
ومما يستفاد من هذه الحادثة قوة العلاقة بين القائد وأتباعه ؛ حتى إنهم بايعوا على الموت ، إضافة إلى سرعة إجابة طلب القائد وعدم التردد ، وأن الصدق في الإيمان سبيل إلى تحصيل رضا الرحمن ، وتأييده .
صلح الحديبية
خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ، يريد العمرة ومعه ألف وأربعمائة من الصحابة ، وليس معهم إلا سلاح السفر ، فأحرموا بالعمرة من ذي الحليفة ، فلما اقتربوا من مكة بلغهم أن قريشاً جمعت الجموع لمقاتلتهم وصدهم عن البيت .
فلما نزل الرسول بالحديبية أرسل عثمان رضي الله عنه إلى قريش وقال له : أخبرهم أنا لم نأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً ، وادعهم إلى الإسلام ، وأَمَرَه أن يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساء مؤمنات ، فيبشرهم بالفتح ، وأن الله عز وجل مظهر دينه بمكة ، حتى لا يستخفى فيها بالإيمان . فانطلق عثمان ، فمر على قريش ، فقالوا : إلى أين ؟ فقال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى الله وإلى الإسلام ، ويخبركم : أنه لم يأت لقتال ، وإنما جئنا عماراً . قالوا : قد سمعنا ما تقول ، فانفذ إلى حاجتك .
ولكن عثمان احتبسته قريش فتأخر في الرجوع إلى المسلمين ، فخاف الرسول صلى الله عليه وسلم عليه ، وخاصة بعد أن شاع أنه قد قتل ، فدعا إلى البيعه ، فتبادروا إليه ، وهو تحت الشجرة ، فبايعوه على أن لا يفروا ، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها قوله : { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } (سورة الفتح 18) .
وأرسلت قريش عروة بن مسعود إلى المسلمين فرجع إلى أصحابه ، فقال : أي قوم ، والله لقد وفدت على الملوك -كسرى ، وقيصر والنجاشي- والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً . والله ما انتخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم ، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمر ابتدروا أمره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم ، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له ، ثم قال : وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها .
ثم أسرعت قريش في إرسال سهيل بن عمرو لعقد الصلح ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال : قد سهل لكم أمركم ، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل ، فتكلم سهيل طويلاً ثم اتفقا على قواعد الصلح ، وهي :
الأولى : رجوع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عامه وعدم دخول مكة ، وإذا كان العام القادم دخلها المسلمون بسلاح الراكب ، فأقاموا بها ثلاثاً .
الثانية : وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين ، يأمن فيها الناس .
الثالثة : من أحب أن يدخل في عقد مع محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد مع قريش وعهدهم دخل فيه .
الرابعة : من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه رده إليهم ، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد لم يرد إليه .
ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : هات اكتب بيننا وبينك كتاباً ، فدعا الكاتب -وهو علي بن أبي طالب- فقال : اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل : أما الرحمن ، فما أدري ما هو ؟ ولكن اكتب : باسمك اللهم كما كنت تكتب . فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، فقال صلى الله عليه وسلم : اكتب : باسمك اللهم ، ثم قال : اكتب : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقال سهيل : والله لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولكن اكتب محمد بن عبد الله، فقال : إني رسول الله ، وإن كذبتموني اكتب محمد بن عبد الله، ثم تمت كتابة الصحيفة ، ودخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش .
فبينما هم كذلك إذ جاء أبو جندل بن سهيل ، وقد خرج من أسفل مكة يرسف-يمشي مقيداً- في قيوده ، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد! أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنا لم نقض الكتاب بعد، فقال : إذاً والله لا أصالحك على شئ أبداً. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فأجزه لي، قال : ما أنا بمجيزه لك . قال : بلى، فافعل، قال : ما أنا بفاعل . قال أبو جندل : يا معشر المسلمين ! كيف أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً؟ ألا ترون ما لقيت ؟ -وكان قد عذب في الله عذاباً شديداً- قال عمر بن الخطاب : والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقلت : يا رسول الله ! ألست نبي الله ؟ قال : بلى، قلت : ألسنا على الحق ، وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى . قلت : علام نعطى الدنية في ديننا ؟ ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبين أعدائنا ؟ فقال : إني رسول الله ، وهو ناصري ، ولست أعصيه . قلت : ألست كنت تحدثنا : أنا نأتي البيت ، ونطوف به . قال : بلى ، أفاخبرتك أنك تأتيه العام ؟ قلت : لا، قال : فإنك آتيه ومطوف به . قال : فأتيت أبا بكر ، فقلت له مثلما قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورد علي كما رد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء ، وزاد : فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق .
فلما فرغ من قضية الكتاب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : قوموا فانحروا، ثم احلقوا، وما قام منهم رجل ، حتى قالها ثلاث مرات . فلما لم يقم منهم أحد ، قام ولم يكلم أحداً منهم حتى نحر بدنه ودعا حالقه . فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا ، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً . ثم جاء نسوة مؤمنات ، فأنزل الله : {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن} (سورة الممتحنة 10) . وفي مرجعه صلى الله عليه وسلم : أنزل الله سورة الفتح : {إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } الآية ، فقال عمر : أو فتح هو يا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال الصحابة : هذا لك يا رسول الله ، فما لنا ؟ فأنزل الله : {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} الآيتين إلى قوله : {فوزا عظيما} (سورة الفتح 1-5) .
ولما رجع إلى المدينة جاءه أبو بصير -رجل من قريش- مسلماً ، فأرسلوا في طلبه رجلين ، وقالوا : العهد الذي بيننا وبينك ، فدفعه إلى الرجلين ، فخرجا به ، حتى بلغا ذا الحليفة . فنزلوا يأكلون من تمر لهم . فقال أبو بصير لأحدهما: إني أرى سيفك هذا جيداً. فقال: أجل ، والله إنه لجيد ، لقد جربت به ثم جربت ، فقال : أرني أنظر إليه ، فقتله بسيفه ، ورجع أبو بصير إلى المدينة ، فقال : يا نبي الله ! قد أوفى الله ذمتك، قد رددتني إليهم فأنجاني الله منهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : ويل أمه مسعر حرب ، لو كان له أحد . فلما سمع ذلك عرف أنه سيرده إليهم ، فخرج حتى أتى سيف البحر، وتفلت منهم أبو جندل ، فلحق بأبي بصير ، فلا يخرج من قريش رجل -قد أسلم- إلا لحق به ، حتى اجتمعت منهم عصابة . فما سمعوا بعير لقريش خرجت إلى الشام إلا اعترضوا لها ، فقاتلوهم وأخذوا أموالهم ، فأرسلت قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم تناشده الله والرحم أن أتاه منهم فهو آمن .
وكان هذا الصلح فتحاً عظيماً ، ونصراً مبيناً للمسلمين ، وذلك لما ترتب عليه من منافع عظيمة ؛ حيث اعترفت قريش بالمسلمين ، وقوتهم ، وتنازلت عن صدارتها الدنيوية وزعامتها الدينية ، ودخل الناس في دين الله وزاد عدد المسلمين ، وهدأت حرب قريش للمسلمين .
صلح الحديبية بين المسلمين وقريش أتاح فرصة عظيمة للمسلمين للتوجه نحو النشاط الدعوي ، وبداية مرحلة جديدة ، وهي نقل الدعوة الإسلامية إلى أكبر عدد من الناس عن طريق مخاطبة الملوك والأمراء .
وبدأت هذه المرحلة من أواخر السنة السادسة ؛ حيث انطلق الرسل يحملون الخير ، ونور الهداية ، من خلال رسائل وخطابات مختومة بختم النبي صلى الله عليه وسلم ، وموجهة إلى الزعماء ، تدعوهم إلى الإسلام والدخول فيه ، لينالوا ملك الدنيا والآخرة ، ويسعدوا بالسعادة الحقيقية ، التي لا تكون إلا بالعبودية لله بحق ، والبعد عن عبادة غيره ، أو الشرك به ، وهذه هي دعوة الله للناس جميعاً ، قال تعالى : {ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} (النحل : 36) .
فتوجهت الكتب والرسائل إلى النجاشي ملك الحبشة ، وإلى المقوقس ملك مصر ، وإلى كسرى ملك فارس ، وإلى قيصر ملك الروم ، وإلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين ، وإلى هوذة بن علي صاحب اليمامة ، وإلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق ، وإلى ملك عُمان جيفر بن الجلندي .
وكانت تلك الخطابات تحمل في طيّاتها الرأفة ومحبة الخير والهداية لهم ، فقد كان صلى الله عليه وسلم حريصاً على إسلامهم حرصه على بلوغهم الدعوة الربانية الصافية من كل شائبة ؛ ولذلك عمل بالوسائل الممكنة والمتاحة من انتقاء الرسل ، واختيار الأسلوب المناسب لمضمون كل خطاب .
ومع ذلك تبقى الهداية فضلاً من الله يؤتيه من يشاء ، ويمنعه عمن يشاء ، فآمن بعض الملوك ، واتبع الهدى ، فأنقذ نفسه وقومه من ظلمات الكفر ، وبقي البعض على الكفر يتخبط في ظلامه ، طمعاً في جاهٍ زائل ، أو حرصاً على دنيا فانية ، أو خوفاً من حاشيته وقومه، قال تعالى : {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين } (القصص : 56) .
وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد نقل دعوته المباركة إلى ملوك الأرض ، وعرفهم بالدين الجديد الذي يكفل لأتباعه سعادة الدارين .
ومن خلال هذا المنبر ندعو الناس جميعاً للدخول في الإسلام ، الذي جاء بالأمن والسلام ، والسعادة والاطمئنان ، والحذر من الشرك بالله {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} (النساء : 48) .
كان فتح مكة أهم فتح للإسلام والمسلمين ، أكرم الله به نبيه صلى الله عليه وسلم خاصة والمسلمين عامة ، فقد جاء هذا الفتح المبارك بعد سنوات متواصلة من الدعوة والجهاد لتبليغ رسالة الإسلام ، فتوج مرحلة مهمة من مراحل الدعوة الإسلامية ، وكان أشبه ما يكون بنهاية المطاف لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الدار ، وبداية المطاف لمن بعده لإتمام مهمة نشر الدعوة في أرجاء الأرض كافة .
ولا نبعد عن الصواب إذا قلنا : إن فتح مكة يحمل من الدلالات والفوائد والعبر ما لا يحيط به كتاب فضلا أن يحيط به مقال كهذا ، وحسبنا في هذا المقام أن نقف عند بعض الفوائد والدلائل التي حملها ذلك الحدث التاريخي ، لنعرف أهميته في تاريخ الإسلام ، وندرك مكانته في مسيرة الدعوة إلى الله سبحانه .
إن من أولى فوائد فتح مكة أنه انتزع تلك البقعة المباركة من براثن الشرك، وضمها لحمى التوحيد . فقد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة فكان من أول ما فعل أن كسَّر الأصنام المنصوبة حول الكعبة المشرفة، وهو يردد قوله تعالى: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} ( الإسراء : 81 ) وقوله : { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } (سـبأ:49) ، وصعد بلال على سطح الكعبة وصدح بالأذان ، فكانت كلماته تتردد في أرجاء مكة معلنة انتهاء عهد الخرافة والشرك ، وبدء عصر النور والتوحيد .
وقد كان من فوائد فتح مكة رفعُ سيف الكفر المسلط على رقاب المستضعفين من أهل مكة - سواء ممن أسلم ، أو ممن كان يرغب في الإسلام - الذين أرهبهم سيف قريش ، وسَلَبَ حقهم في اختيار الدين الحق ، فجاء ذاك الفتح ليرفع السيف عن رقابهم وليدخلوا في دين الله دون خوف أو وجل .
ومما أسفر عنه هذا الفتح العظيم تحطيم وإزالة رهبة قريش من قلوب قبائل العرب ، التي كانت تؤخر إسلامها لترى ما يؤول إليه حال قريش من نصر أو هزيمة، روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة : " أن العرب كانت تَلَوَّمُ - تنتظر - بإسلامها الفتح ، يقولون انظروا فإن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم " .
وكان من فوائد هذا النصر المبارك زيادة إيمان المؤمنين بتحقق وعد ربهم ، دخول البيت والطواف به ، بعد أن منعهم منه المشركون، فقال سبحانه { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُون } ( الفتح: من الآية27) .
ومن فوائد فتح مكة اكتساب المسلمين شرف حماية البيت وخدمته ، مما جعل لهم من المكانة عند العرب نظير ما كان لقريش من قبل ، بل وأعظم .
ومن فوائد فتح مكة تضعضع مركز الكفر والشرك في جزيرة العرب ، وتحول رؤوس الكفر إلى القتال على جبهات ليس لها منزلة ولا مكانة عند العرب كثقيف وهوازن ، وما هي إلا جولة أو جولتان حتى خضعت جزيرة العرب للحكم الإسلامي ، وأصبحت الجزيرة مركزاً لنشر الدين الجديد وانطلقت الجيوش المسلمة الفاتحة لتدك عروش كسرى وقيصر ، ولتخضع أكبر إمبراطوريات الشر لحكم الدين الإسلامي.
ومن أهم الدلالات التي أفصح عنها فتح مكة موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهلها الذين ناصبوه العداء منذ أن بدأ بتبليغ دعوته ، فبعد أن أكرمه الله عز وجل بدخول مكة توجه إلى أهلها ليقول لهم ما ترون أني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) رواه البيهقي فيا له من موقف كريم يليق بمن أرسله الله رحمة للعالمين .
هذه بعض فوائد فتح مكة ، ذلكم الفتح الذي ليس ثمة فتح يوازيه في مكانته وأهميته ، حتى سماه العلماء الفتح العظيم ، وذلك لما ترتب عليه من نتائج عظيمة ليس أقلها إعادة أعظم بقعة في الأرض من براثن الشرك إلى حمى التوحيد ، وليس أدناها اقتران هذا الفتح المبارك بدخول الناس في دين الله أفواجاً ، كما قال تعالى { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً } ( النصر:1-3 ) ، نسأل الله أن يفتح لهذه الأمة سبل العزة والكرامة ويدفع عنها ما يراد بها ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
قال ابن إسحاق : لما سمعت هوازن بالفتح ، جمعها مالك بن عوف النصري مع هوازن ثقيف كلها . فلما أجمع مالك السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم ، فلما نزل بأوطاس ، اجتمعوا إليه . وفيهم دريد بن الصمة الجشمي ، وهو شيخ كبير ، ليس فيه إلا رأيه ، وكان شجاعاً مجرباً . فقال : بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس. قال : نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، ولا سهل دهس . ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء؟ قالوا : ساق مالك مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم . قال : أين مالك ؟ فدعي له ، فقال : إنك قد أصبحت رئيس قومك ، وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام ، فلم فعلت هذا ؟ قال : أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ، ليقاتل عنهم. قال : راعي ضأن والله ، وهل يرد المنهزم شئ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك : فضحت في أهلك ومالك . ثم قال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد . قال : غاب الحد والجد ، لو كان يوم علاء ورفعة لم يغيبوا، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب ، فمن شهدها ؟ قالوا : عمرو بن عامر ، وعو ف بن عامر . قال : ذانك الجذعان من عامر ، لا ينفعان ولا يضران . يا مالك ! إنك لم تصنع بتقديم البيضة -بيضة هوازن- إلى نحور الخيل شيئاً ، ارفعهم إلى ممتنع بلادهم ، وعليا قومهم ، ثم الق الصباء على متون الخيل . فإن كانت لك : لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك ذاك وقد أحرزت أهلك ومالك . قال . والله لا أفعل ، إنك قد كبرت وكبر عقلك ، والله لتطيعنني يا معشر هوازن ، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري . وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ، أو رأي . قالوا : أطعناك ، فقال دريد : هذا يوم لم أشهده ، ولم يفتني . ياليتني فيها جذع أخب فيها وأضع أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع ثم قال مالك : إذ رأيتموهم ، فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدوا شدة رجل واحد . ثم بعث عيوناً من رجاله ، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم من الرعب والهلع . فقال لهم : ويلكم ، ما شأنكم ؟ قالوا : رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق ، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى ، فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد .
ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم . بعث إليهم عبد الله بن حدرد الأسلمي . وأمره أن يداخلهم حتى يعلم علمهم . فانطلق . فداخلهم حتى علم ما هم عليه ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره الخبر . فلما أراد المسير ، ذكر له : أن عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً -وهو يومئذ مشرك-، فقال له : يا أبا أمية ! أعرنا سلاحك هذا ، نلق فيه عدونا غداً، فقال : أغصباً يا محمد ؟ قال : بل عارية مضمونة ، حتى نؤديها إليك، فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح . فخرج صلى الله عليه وسلم ، ومعه ألفان من أهل مكة ، وعشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفاً. واستعمل عتاب بن أسيد على مكة . فلما استقبلوا وادي حنين ، انحدروا في واد من أودية تهامة أجوف في عماية الصبح . قال جابر : وكانوا قد سبقونا إليه ، فكمنوا في شعابه ومضايقه ، قد تهيئوا . فوالله ما راعنا إلا الكتائب ، قد شدوا علينا شدة رجل واحد ، فانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد . وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين ، ثم قال :أيها الناس ! أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبد الله، وبقي معه نفر من المهاجرين ، وأهل بيته ، فاجتلد الناس فوالله ما رجعت الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند رسول الله . وكانوا حين رأوا كثرتهم قالوا : لن نغلب اليوم عن قلة ، فوقع بهم ما وقع من ابتلاء الله لقولهم ذلك . قال ابن إسحق : ولما وقعت الهزيمة تكلم رجال من جفاة أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وصرخ جبلة بن الحنبل : ألا بطل السحر اليوم . فقال له أخوه صفوان بن أمية -وكان بعد مشركاً- : اسكت ، فض الله فاك ، فوالله لأن يريبي رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن . وذكر ابن إسحاق عن شيبة بن عثمان الحجبي ، قال : لما كان يوم الفتح قلت : أسير مع قريش إلى هوازن ، لعلي أصيب من محمد غرة. فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول : لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا تبعه ، ما اتبعته أبداً. فلما اختلط الناس ، اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بغلته وأصلت السيف ، فدنوت أريد ما أريد ، ورفعت سيفي حتى كدت أسوره . فرفع لي شواظ من نار كالبرق ، كاد أن يمحشني . فوضعت يدي على بصري خوفاً عليه ، فالتفت إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فناداني : يا شيب ، أدن مني ، فدنوت منه ، فمسح صدري . ثم قال : اللهم أعذه من الشيطان ، فو الله لهو كان ساعئذ أحب إلي من سمعي وبصري ونفسي . ثم قال : أدن ، فقاتل ، فتقدمت أمامه أضرب بسيفي . الله يعلم أني أحب أن أقيه بنفسي . ولو لقيت تلك الساعة أبي لأوقعت به السيف . فجعلت ألزمه فيمن لزمه ، حتى تراجع الناس، وكروا كرة رجل واحد. وقربت بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستوى عليها. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم حتى تفرقوا [في كل وجه] ، ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معسكره ، فدخل خباءه ، فدخلت عليه ، ما دخل عليه غيري ، حباً لرؤية وجهه ، وسروراً به ، فقال : يا شيب ! الذي أراد الله لك ، خير من الذي أردت لنفسك . قال العباس : إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكنت امرءاً جسيماً شديد الصوت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - حين رأى ما رأى من الناس- : إليَّ أيها الناس ، أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ، فلم أر الناس يلوون على شئ ، فقال : أي عباس ، اهتف بأصحاب السمرة ، فناديت : يا أصحاب السمرة ! يا أصحاب سورة البقرة ! فكان الرجل يريد أن يرد بعيره فلا يقدر ، فيأخذ سلاحه ، ويقتحم عن بعيره ، ويخلي سبيله ، ويؤم الصوت ، فأتوا من كل ناحية : لبيك ، لبيك ، حتى إذا اجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مائة استقبلوا الناس، فاقت تلوا ، فكانت الدعوة أولاً : يا للأنصار، يا للأنصار، ثم خلصت الدعوة : يا لبني الحارث بن الخزرج ، وكانوا صبراً عند الحرب . وفي صحيح مسلم : ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات ، فرمى بها وجوه القوم ، ثم قال : انهزموا ، ورب محمد، فما هو إلا أن رماهم ، فما زلت أرى حدهم كليلاً ، وأمرهم مدبراً . ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ، ومعهم مالك بن عوف . وعسكر بعضهم بأوطاس .
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثر من توجه نحو أوطاس أبا عامر الأشعري ، فأدرك بعضهم فناوشوه القتال ، فهزمهم الله تعالى . وقتل أبو عامر، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري ، فلما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : اللهم أغفر لأبي عامر وأهله ، وأجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك . [وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبي والغنائم أن تجمع ، وكان السبي ستة آلاف رأس ، والإبل : أربعة وعشرين ألفاً ، والغنم : أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية فضة ، فاستأنى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم] . وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقدموا موالين مسلمين ، بضع عشرة ليلة . ثم بدأ بالأموال فقسمها . وأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس . فأعطى أبا سفيان مائة من الإبل ، وأربعين أوقية. وأعطى ابنه يزيد مثل ذلك وأعطى ابنه معاوية مثل ذلك. وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ، ثم سأله مائة أخرى فأعطاه ، وذكر ابن إسحاق أصحاب المائة وأصحاب الخمسين . ثم أمر زيد بن ثابت بإحصاء الغنائم والناس ، ثم فضها على الناس . قال ابن إسحاق : حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شئ ، وجدت الأنصار في أنفسهم ، حتى كثرت منهم القالة ، حتى قال قائلهم : لقي والله رسول الله قومه . فدخل عليه سعد بن عبادة ، فذكر له ذلك ؟ فقال :فأين أنت من ذلك يا سعد؟، قال: يا رسول الله ! ما أنا إلا من قومي . قال : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين ، فتركهم فدخلوا . وجاء آخرون فردهم ، فلما اجتمعوا أتاه سعد فأخبره .
فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : يا معشر الأنصار ، ما مقالة بلغتني عنكم ؟ وجدة وجدتموها في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالاً، فه داكم الله بي ؟ وعالة فأغناكم الله بي ؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم بي، قالوا : الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال : ألا تجيبوني ، يا معشر الأنصار؟ . قالوا : بماذا نجيبك يا رسول الله ؟ ولله ولرسوله المن والفضل . قال : أما والله ، لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسيناك . أوجدتم علي يا معشر الأنصار! في أنفسكم في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار : أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟ فوالذي نفس محمد بيده ! لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به ، ولولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار . ولو سلك الناس شعباً ووادياً، وسلكت الأنصار شعباً ووادياً، لسلكت شعب الأنصار وواديها . الأنصار شعار ، والناس دثار اللهم أرحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار. قال : فبكى القوم ، حتى أخضلوا لحاهم ، وقالوا : رضينا برسول الله قسماً وحظاً . ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرقوا.
وقدمت الشيماء بنت الحارث -أخت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة- فقالت : يا رسول الله ! أنا أختك . فبسط لها رداءه . وأجلسها عليه . وقال : إن أحببت فعندي مكرمة ، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك. فقالت : بل تمتعني ، وتردني إلى قومي . ففعل وأسلمت . فأعطاها ثلاثة أعبد وجارية ونعماً وشاء .
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الحارث بن عمير الأزدي رسولاً إلى ملك بصرى من أرض الشام يدعوه إلى الإسلام ، فما كان من ملك بصرى إلا أن قتل رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الناس للخروج ومقاتلة الروم ، فسرعان ما اجتمع عند النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف مقاتل ، فعقد الراية لثلاثة منهم وجعل إمرتهم بالتناوب ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة ) رواه البخاري و مسلم ، فتجهز الناس وخرجوا ، وكان ذلك يوم الجمعة من السنة الثامنة للهجرة النبوية ، وودعهم المسلمون قائلين : " صحبكم الله ، ودفع عنكم ، وردكم إلينا صالحين ، فقال عبد الله بن رواحة :
لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبــدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا
وسار المسلمون حتى نزلوا معانا - اسم قرية - من أرض الشام ، فبلغهم أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم ، وانضم إليه مائة ألف أخرى من القبائل العربية الموالية له كلخم ، وجذام ، وبلقين ، وبهراء ، فاجتمع لهرقل مائتي ألف مقاتل ، فعقد المسلمون مجلسا للتشاور ، فقال بعضهم : نكتب للنبي صلى الله عليه وسلم نخبره بعدد عدونا ، فإما أن يمدنا بالرجال ، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له ، فقام عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ، وقال لهم : يا قوم والله للذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة ، ما نقاتل الناس بعدد ، ولا عدة ، ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين ، إما ظهور ، وإما شهادة ، فقال الناس : صدق والله ابن رواحة ، فمضوا حتى إذا قاربوا البلقاء - منطقة بالشام - ، لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية يقال لها مشارف ، فدنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها : مؤتة وتسمى اليوم بالكرك ، فالتقى الناس عندها ، فتجهز المسلمون وجعلوا على ميمنة الجيش قطبة بن قتاة رجل من بني عذرة ، وعلى الميسرة عباية بن مالك رجل من الأنصار .
والتحم الجيشان وحمي الوطيس ، واقتتلوا قتالا شديداً ، وقتل أول قادة المسلمين زيد بن حارثة رضي الله عنه ، مقبلاً غير مدبر ، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب بيمينه ، وأخذ ينشد :
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إن لا قيتها ضرابها
فقطعت يمينه رضي الله عنه ، فأخذ الراية بشماله فقطعت ، فاحتضنها بعضديه حتى قتل رضي الله عنه ، فأخذ الراية عبد الله بن رواحة رضي الله عنه ، ثم تقدم بها على فرسه فجعل يستنزل نفسه ، ويقول :
أقسمت يا نفس لتنزلن لتنزلنه أو لتكرهنه
إن أجلب الناس وشدوا الرنة ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت إلا نطفة في شنة
ثم تقدم رضي الله عنه فقاتل حتى قتل ، ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم فقال : يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم ، فقالوا : أنت فقال : ما أنا بفاعل ، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد .
وبعد أن استلم الإمرة خالد انتهج خطة جديدة في مواجهة العدو حيث حوَّل الميسرة ميمنة ، والميمنة ميسرة ، والمؤخرة مقدمة والعكس ، فظن الروم أن المسلمين جاءهم مدد ، فلما حمل عليهم المسلمون هزموهم بإذن الله ، غير أن خالدا لم يتبع أدبارهم بل رجع بالجيش إلى المدينة وهناك عاتبهم المسلمون ، قائلين لهم : لهم أنتم الفرار فقال صلى الله عليه وسلم بل هم الكرار إن شاء الله .
هذه هي غزوة مؤتة تكاد تتفجر عظة وعبرة ، فما إن يقرأ القارئ هذه الأحداث إلا ويجد الإعجاب قد عقد لسانه ، فأي بشر هؤلاء ، يقفون بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل أمام جيش هائل قوامه مائتي ألف مقاتل ، إن تصورا سريعا للقوتين ليعطي نتائج حاسمة بانتصار الجيش الكبير على الجيش المقابل ، ومع ذلك يتقدم المسلمون على قلة عددهم ، وضعف عُدَدَهِم - آلة الحرب - ليضربوا أعظم صور التضحية والفداء ، بل ولينتصروا على ذلك العدو ، في أعظم مهزلة يتعرض لها جيش الإمبراطورية الرومانية ، إن غزوة مؤتة بكل المقاييس العسكرية معجزة من المعجزات ، وكرامة من الكرامات ، لقد وضعت معركة مؤتة القاعدة العسكرية الإسلامية في مواجهة العدو ، فنحن لا نقاتل بعدد ولا عدة ولكن نقاتل بهذا الدين ، فإذا تمحض قتالنا نصرة لدين الله ، وقمنا - ما استطعنا - بما أوجبه الله علينا من الأخذ بالأسباب الظاهرة ، كان النصر حليفنا بإذن الله .
إن ما يتمتع به المسلم من حب البذل والتضحية بالنفس والمال في سبيل هذا الدين نابع من إيمانه بالله ويقينه بما عنده ، فهل تُحيا في الأمة هذه البسالة ، وهل نستخلص من غزوة مؤتة - خاصة - وتاريخ المسلمين الجهادي - عامة - دروسا تزرع التضحية والفداء في قلوب فتيانه حتى يعود للأمة سابق مجدها وغابر عزها ، نسأل المولى الكريم أن يردنا إلى ديننا ردا جميلا إن ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين .
فلما كان في ذي القعدة من السنة السابعة : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمراً عمرة القضية . حتى إذا بلغ يأجج وضع الأداة كلها ، إلا الحجف والمجان والنبل والرماح . ودخلوا بسلاح الراكب -السيوف- وبعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث يخطبها ، فجعلت أمرها إلى العباس فزوجه إياها . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر أصحابه أن يكشفوا عن المناكب ويسعوا في الطواف ، ليرى المشركون قوتهم-وكان يكايدهم بكل ما استطاع - فوقف أهل مكة -الرجال والنساء والصبيان- ينظرون إليه وإلى أصحابه ، وهم يطوفون بالبيت .
وعبد الله بن رواحة ، آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتجز يقول : خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله قد أنزل الرحمن في تنزيله في صحف تتلى على رسوله بأن خير القتل في سبيله يارب إني مؤمن بقيله إني رأيت الحق في قبوله اليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فأقام بمكة ثلاثة ، ثم أتاه سهيل بن عمرو ، وحويطب بن عبد ا لعزى ، فصاح حويطب : نناشدك الله والعقد، لما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا رافع فأذن بالرحيل . ثم دخلت السنة الثامنة .
الحاكم بأمر الله
إن القتال الذي شرعه الله تعالى، وخاض معاركه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته، لهو أشرف أنواع الجهاد، فقد كان فريضة لحماية الحق، ورد المظالم، وقمع العدوان، وكسر الجبابرة، ومن ذلك غزوة تبوك والتي سنقف على تفصيلها في هذا المقال:
تعتبر هذه الغزوة التي وقعت في رجب من صيف عام تسع للهجرة - استجابة طبيعية لفريضة الجهاد , فالروم أقرب الناس إلى جزيرة العرب , فقد قال الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار , وليجدوا فيكم غلظةً واعلموا أن الله مع المتقين } ( التوبة 123) .
وقد قضى الإسلام على الوثنية في شبه جزيرة العرب , وبقيت أمامه المجوسية في بلاد فارس والنصرانية في بلاد الشام . وتبوك تقع شمال الحجاز وتبعد عن المدينة 778 كيلا حسب الطريق المعبدة حالياً.
وقد سميت غزوة "العسرة" أيضاً لما كان أصاب المسلمين من الضيق الاقتصادي وقتها .
وقد حث الرسول صلى الله عليه وسلم على النفقة , فسارع أغنياء الصحابة وفقراءهم الى تقديم الأموال , وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه أكثرهم انفاقاً على جيش العسرة فوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنّة .
وكان عدد الجيش ثلاثين ألفاً , وحاول المنافقون تثبيط الناس عن الخروج , وكان الحر شديداً , وكان الناس يفيئون إلى ظلال الأشجار , فكان المنافقون يستغلون ذلك لإشاعة التخاذل . كما كانوا يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم بالتخلف مبدين الأعذار الكاذبة .
وقد ابتنى المنافقون مسجداً قبيل الخروج إلى تبوك , ليجتمعوا فيه مكايدةً للمسلمين , وقد طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة فيه , فنهاه الله تعالى عن ذلك وسمّاه مسجداً "ضراراً" .
وقد تخلف معظم المنافقين عن الغزوة , ومضى بعضهم مع الجيش يقتنصون الفرص للكيد والإرجاف . ولم يتخلف من الصحابة إلا عدداً يسيراً من ذوي الأعذار سوى ثلاثة لم يكن لهم عذر . ونظراً لبعد الشقة وكثرة الأعداء فقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم عن وجهته للمسلمين , ليستعدوا لذلك خلافاً لنهجه في الحروب فانه لا يعلن وجهته حتى لا يصل الخبر الى عدوه فيأخذون أهبتهم ..
وقد طلب الرسول صلى الله عليه وسلم من علي بن أبي طالب أن يخلفه في أهله , فقال علي : يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى , غير أنه لا نبيّ بعدي " .
وهكذا شأن أصحاب العقيدة , لا يفرحون بالثمار والظلال , بل يؤثرون الحر والظمأ والجوع في سبيل الله , فهي غنيمتهم التي يدّخرونها لآخرتهم .
قال أبو خيثمة الأنصاري : " تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , فدخلت حائطاً , فرأيت عريشاً قد رش بالماء , ورأيت زوجتي , فقلت : ما هذا بانصاب , رسول الله صلى الله عليه وسلم في السموم والحرور وأنا في الظل والنعيم , فقمت إلى ناضحٍ لي وتمرات فخرجت , فلما طلعت على العسكر فرآني الناس , قال النبي صلى الله عليه وسلم : " كن أبا خيثمة " . فجئت , فدعا لي . وبلغ الأمر بالضعفاء والعجزة ممن أقعدهم المرض أو العجز عن النفقة عن الخروج الى حد البكاء شوقاً للجهاد , وتحرجاً عن القعود حتى نزل فيهم قرآن { ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج } رواه البخاري .
ولما بلغ المسلمون تبوك أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء الأعظم للصديق رضي الله عنه , وحملت كل قبيلة الرايات والألوية . وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد مع عدد من الصحابة الى دومة الجندل فأسر ملكها أكيدر بن عبد الملك الكندي , وفتح الدومة , وحاز غنائم عظيمة . ولم يقع قتال في هذه الغزوة سوى فتح الدومة , إذ لم يلق المسلمون جموع الروم والقبائل العربية المنتصرة , وآثر حكام المدن الشمالية الصلح على أن يدفعوا الجزية .
وفي طريق العودة من تبوك الى المدينة , مر المسلمون بالحجر في ديار ثمود وهم الذين امتحنوا بالناقة فنحروها , فأخذتهم الصيحة لعصيانهم . وقد سارع الناس الى دخول بيوت الحجر , فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقال : " لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم , أن يصيبكم ما أصابهم , الا أن تكونوا باكين " ، ثم قنع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه واسرع السير حتى أجاز الوادي , كما نهاهم عن شرب الماء من بئرها أو الوضوء منه , وأن يعلفوا إبلهم ما عجنوه من عجين بمائها.
ولما اقترب الجيش من المدينة خرج الصبيان الى ثنية الوداع يتلقونه , ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة , فصلّى في مسجده ركعتين , ثم جلس للناس , وجاءه المنافقون المتخلفون عن الغزوة فاعتذروا بشتى الأعذار , فقبل منهم علانيتهم وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله , وجاء كعب بن مالك , وقد سبقه هلال بن أمية و مرارة بن الربيع , وقد أقر الثلاثة بأنه لا عذر لهم في تخلفهم عن الغزوة .ولم يرضوا أن يضيفوا إلى ذنب التخلف ذنباً جديداً هو الكذب , فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن الكلام مع الثلاثة , فاجتنبهم الناس خمسين ليلةً , وأمرت نساؤهم باعتزالهم , فذهبن عند أهلهن إلا زوجة هلال إذ كان شيخاً كبيراً , فبقيت لخدمته فقط بإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم , وقد ضاقت بهم الدنيا , وحاول ملك الغساسنة استغلال الموقف فراسل كعب بن مالك ليلحق به , لكن كعباً أحرق الرسالة وذكر إنها زيادة في امتحانه .
واستمرت المقاطعة حتى تاب الله عليهم بنزول الآية { وعلى الثلاثة الذين خلّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب الله عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } ( التوبة 118) .
لقد حققت هذه الغزوة أهدافها بتوطيد سلطان الإسلام في الأقسام الشمالية من شبه الجزيرة العربية . وكانت تمهيداً لفتوح بلاد الشام .
قد يكون الجهاد فرض عين على المسلم، كما لو عينه الإمام ، ولا يجوزله التخلف عنه حينئذ إلا لعذر شرعي . لذلك عندما يستنفر النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين للجهاد يخرج كل مسلم صادق ، ولا يتخلف إلا أهل الأعذار الشرعية أو أهل النفاق، ولكن في غزوة تبوك تخلف ثلاثة رجال كعب بن مالك و مرارة بن ربيع و هلال ابن أبي أمية عن الغزو مع الرسول صلى الله عليه وسلم من غير عذر شرعي ولا نفاق.
تخلف الثلاثة عن الغزو الذي كان في زمان الحر والشدة ، ولكن رغم فداحة الذنب وعظمته تجاوز الله عنهم وغفر لهم صنيعهم ، لأنهم كانوا صادقين مع أنفسهم ومع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لم يخادعوه ولم يأتوا بأعذار كاذبة ، بل صدقوا واعترفوا بتخلفهم ، ولجؤوا إلى الله تائبين مستغفرين فتاب الله عليهم .
ولندع أحدهم وهو كعب بن مالك يقدم سردا ملخصا لهذه المحنة :
قال كعب : غزا النبي صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة، حين طابت الثمار، فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتجهز المسلمون معه ، ولم أتجهز وأقول في نفسي سألحق بهم حتى إذا خرجوا ظننت أني مدركهم، وليتني فعلت ، فلما انفرط الأمر ، أصبحت وحدي بالمدينة لا أرى إلا رجلاً مغموصاً عليه في النفاق - أي مشهورا به - أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد راجعا من تبوك حضرني الفزع، فجعلت أتذكر الكذب، وأقول : بماذا أخرج من سخط رسول الله ؟ واستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي ، فلما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة، زال عني الباطل، وعلمت أني لا أنجو منه إلا بالصدق، فأجمعت أن أصدقه .
فلما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمدينة بدأ بالمسجد وجلس للناس ، فجاء المخلفون وجعلوا يعتذرون له ويحلفون، فيقبل منهم ظواهرهم ويستغفر لهم ، وكانوا بضعا وثمانين رجلاًَ ، فجئت فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب ، فقال لي ، ما خلفك ؟ قلت: يا رسول الله والله لو جلست إلى غيرك من أهل الدنيا ، لخرجت من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلاً ، والله ما كان لي عذر حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدق ، فقم حتى يقضي الله فيك .
فخرجت من عنده فلحقني بعض أهلي يلوموني على أني لم أعتذر، ويستغفر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى هممت أن أرجع عن صدقي، فسألت هل قال أحد بمثل ما قلت؟ فذكروا لي رجلين صالحين: مرارة بن الربيع و هلال بن أبي أمية وكان فيهما لي أسوة .
ثم إن رسول الله نهى عن محادثتنا نحن الثلاثة ، فاجتبنا الناس ، وتغيروا لنا ، فتنكرت لي نفسي والأرض ، أما صاحبيّ فاستكانا وقعدا في بيتيهما ، أما أنا فأصلى مع المسلمين وأطوف الأسواق ولا يكلمني أحد حتى أقاربي .
بينما أنا في هذا الحال إذا جاءت رسالة من ملك غسان يقول لي : الحق بنا نواسيك بعد أن هجرك صاحبك ، قلت: هذا من البلاء أيضا ، فحرقت الرسالة ، فلما مضت أربعون ليلة إذ رسول من النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني باعتزال امرأتي فقلت : الحقي بأهلك ، وكان الأمر باعتزال النساء لصاحبيّ أيضاً .
فلما مضت خمسون ليلة أذن الله بالفرج وجاءت التوبة .
قال كعب : فما أنعم الله علي بنعمة بعد الإسلام ، أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، و الله ما أعلم أحداً ابتلاه الله بصدق الحديث بمثل ما ابتلاني .
والآيات التي نزلت في توبتهم هي قوله تعالى {وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } ( التوبة:118،119).
وهكذا أزاح الله هذه الغشاوة المحزنة عن هؤلاء النفر الثلاثة، بعدما كادوا يقعون في الهلاك بسبب تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضاقت عليهم الأرض رغم رحابتها، وضاقت عليهم أنفسهم، فعلموا أن الملجأ من الله لا يتم إلا بالعودة إليه، فاستجاب الله لهم ،وغفر زلتهم، وهذه القصة اشتملت على فوائد و عبر كثيرة :
منها: أن القعود عن الجهاد عند استنفار الإمام يعد إثما كبيرا في الإسلام تجب التوبة منه،
ومنها: تعامل الصحابة مع أمر النبي صلي الله عليه وسلم، وتنفيذهم له ،حتى ولو كان الأمر يتعلق بأقاربهم.
ومنها: ولاء الصحابة الصادق لله ،فرغم فداحة الحادثة وصعوبة المقاطعة لم يفكر كعب بن مالك في اللحاق بالكافرين ولم يلتفت إلى عرضهم .
ومنها: قيمة الصدق في الإسلام ، وكيف أن الصدق هدى الثلاثة إلى البر ورضوان الله، اللهم ارزقنا الصدق، واحشرنا مع الصديقين.
بعد أن أتم النبي صلى الله عليه وسلم إبلاغ الرسالة ، وفُتحت مكة ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، فرض الله الحج على الناس وذلك في أواخر السنة التاسعة من الهجرة ، فعزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الحج ، وأعلن ذلك ، فتسامع الناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الحج هذا العام ، فقدم المدينة خلق كثير كلهم يريد أن يحج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يأتم به ، فخرج من المدينة في الخامس والعشرين من ذي القعدة من السنة العاشرة للهجرة ، وانطلق بعد الظهر حتى بلغ ذي الحليفة ، فاغتسل لإحرامه وادهن وتطيب ، ولبس إزاره ورداءه ، وقلد بدنه ، ثم أهل بالحج والعمرة وقرن بينهما ، وواصل السير وهو يلبي ويقول : ( لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ) ، فلما قرب من مكة ، نزل بذي طوى ، وبات بها ليلة الأحد من اليوم الرابع من ذي الحجة ، وصلى بها الصبح ، ثم اغتسل ، ودخل مكة نهاراً من أعلاها ، فلما دخل المسجد الحرام طاف بالبيت ، وسعى بين الصفا والمروة ، ولم يحل من إحرامه ، لأنه كان قارناً وقد ساق الهدي معه ، وأمر من لم يكن معه هدي من أصحابه أن يجعلوا إحرامهم عمرة ، فيطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم يحلوا من إحرامهم ، وأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بمكة أربعة أيام من يوم الأحد إلى يوم الأربعاء .
وفي ضحى يوم الخميس الثامن من ذي الحجة توجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمن معه من المسلمين إلى منى ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ، ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة - وهو موضع بالقرب من عرفات وليس من عرفات - ، فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -حتى نزل بنمرة ، ولما زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن وادي عرنة ، وقد اجتمع حوله الألوف من الناس ، فخطب الناس خطبة جامعة ذكر فيها أصول الإسلام ، وقواعد الدين ، وكان مما قاله -صلى الله عليه وسلم - : ( إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث ، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل ، وربا الجاهلية موضوع ، وأول ربا أضع ربانا ربا عباس بن عبد المطلب ، فإنه موضوع كله ، فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به ، كتاب الله ، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، ثلاث مرات ) .
، ثم أذن المؤذن ثم أقام فصلى بالناس الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئاً ، ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أتى موقف عرفات ، فاستقبل القبلة ، ولم يزل واقفاً حتى غربت الشمس ، وهنالك أنزل عليه قوله تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } ( المائدة 3) .
فلما غربت الشمس أفاض من عرفات ، وأركب أسامة بن زيد خلفه ، ودفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول : ( أيها الناس عليكم السكينة ) ، حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يصل بينهما شيئاً ، ثم نام حتى أصبح ، فلما طلع الفجر صلاها في أول الوقت ، ثم ركب ، حتى أتى المشعر الحرام - وهو موضع بالمزدلفة - ، فاستقبل القبلة ، ودعا الله وكبره وهلله ووحده ، ولم يزل واقفاً حتى أسفر الصبح وانتشر ضوء ه ، ثم دفع إلى منى قبل أن تطلع الشمس ، وهو يلبي ولا يقطع التلبية ، وأمر ابن عباس أن يلتقط له حصى الجمار سبع حصيات ، فلما وصل إلى منى رمى جمرة العقبة راكباً بسبع حصيات ، يكبر مع كل حصاة .
ثم خطب الناس خطبة بليغة أعلمهم فيها بحرمة يوم النحر وفضله عند الله وحرمة مكة على غيرها ، وأمرهم بالسمع والطاعة ، وأن يأخذوا عنه مناسكهم ، ويبلغوا عنه ، ونهاهم أن يرجعوا بعده كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض .
ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده ، ثم أمر علياً أن ينحر ما بقي من المائة .
فلما أكمل - صلى الله عليه وسلم - نحر الهدي استدعى الحلاق فحلق رأسه ، وقسم شعره بين من حوله من الناس .
ثم أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة راكباً ، وطاف بالبيت طواف الإفاضة ، وصلى بمكة الظهر ، ثم رجع إلى منى في نفس اليوم ، فبات بها ، فلما أصبح انتظر زوال الشمس ، فلما زالت ودخل وقت الظهر أتى الجمرات ، فبدأ بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة ، يرمي كل جمرة بسبع حصيات ، ويكبر مع كل حصاة ، وفعل ذلك في بقية أيام التشريق ، وأقام النبي - صلى الله عليه وسلم - أيام التشريق بمنى يؤدي المناسك ، ويعلم الشرائع ، ويذكر الله ، ويقيم التوحيد ، ويمحو معالم الشرك .
وفي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة ، نفر النبي صلى الله عليه وسلم من منى ، فنزل بخيف بني كنانة من الأبطح ، وأقام هناك بقية يومه وليلته ، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ونام نومة خفيفة ، وبعدها ركب إلى البيت ، فطاف به طواف الوداع ، ثم توجه راجعاً إلى المدينة .
وهكذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجه ، بعد أن بين للمسلمين مناسكهم ، وأعلمهم ما فرض الله عليهم في حجهم ، وما حرم عليهم ، فكانت حجة البلاغ ، وحجة الإسلام ، وحجة الوداع ، ولم يمكث بعدها أشهرا ًحتى وافاه الأجل ، فصلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين .
تعليم مناسك الحج وأحكامه من آخر ما علمه صلى الله عليه وسلم أمته، بعد أن بلَّغ ما أُنزل إليه من ربه على أكمل وجه وأتمه؛ وقد فُرضت شعيرة الحج في السنة التاسعة من الهجرة، قُبيل مغادرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الدنيا لِيلحق بالرفيق الأعلى.
وكان من مقاصد تشريع هذه الفريضة غسل ما عَلِقَ بها من أدران، وما خالطها من أوهام، لإعادتها نقية صافية تشع بنور التوحيد، ولتقوم على أساس العبودية للواحد القهار، ونبذ كل ما سواه من آلهة وأوثان.
لقد كانت خطبة الوداع - التي تخللت شعائر الحج - لقاءً بين أمة ورسولها؛ كان لقاء توصية ووداع. توصيةَ رسول لأمته، لخص لهم فيه أحكام دينهم ومقاصده الأساسية في كلمة جامعة مانعة، خاطب بها صحابته والأجيال من بعدهم، بل خاطب البشرية عامة، بعد أن أدى الأمانة وبلَّغ الرسالة ونصح للأمة في أمر دينها ودنيها.
وكانت الخطبة كذلك لقاءَ وداعِ رسول لأمته، وداعاً لهذه الدار الفانية إلى دار باقية، لا نَصَبَ فيها ولا تعب.
ما أروعها من ساعة تلك التي اجتمع فيها من أرسله الله رحمة للعالمين مع الجموع المؤلفة خاشعين متضرعين، وكلهم آذان صاغية لكلمات الوداع وكلمات من لا ينطق عن الهوى {إن هو إلا وحي يوحى} (النجم:4) كلمات تجد صداها عند كل من يستمع لها، لأنها تخرج من القلب إلى القلب.
لقد أنصتتِ الدنيا بأسرها - بلسان حالها ومقالها - لتسمع كلام أصدق القائلين وهو يقول: ( أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ) .
لقد أنصتت الدنيا بأسرها - بلسان حالها ومقالها - لتسمع قوله صلى الله عليه وسلم وهو يُلخص لأمته - بل للبشرية جمعاء - مبادئ الرحمة والإنسانية، ويرسي لها دعائم السلم والسلام، ويقيم فيها أواصر المحبة والأخوة، ويغرس بأرضها روح التراحم والتعاون؛ وكأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم - بما أطلعه الله عليه - أنه سيأتي على الناس حين من الدهر يودِّعون فيه هذه المبادئ، ويلقونها ورائهم ظهريًا، ويسيرون في عالم تسود فيه معايير القوة والظلم - ظلم الإنسان لأخيه الإنسان - ويُقدم فيه كل ما هو مادي على ما هو إنساني.
أما ما تضمنته خطبة الوداع من مبادئ وتوصيات، فنقف عند بعضٍ منها، فيما تبقَّى من هذه السطور:
المبدأ الأول حرمة سفك الدماء بغير حق، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: ( أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا..) فأين أمة الإسلام اليوم من تطبيق هذا المبدأ، وقد أخذ بعضها برقاب بعض، وتسلط القوي فيها على الضعيف، وآل أمرها إلى ما هو غير خاف على أحد، حتى أضحت في موقع لا تحسد عليه.
وقد كرر عليه الصلاة والسلام هذه الوصية في خاتمة خطبته - كما ذكر ابن هشام في سيرته - مؤكدًا ضرورة الاهتمام بها بقوله: ( تعلَمُنَّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين أخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب منه، فلا تظلمن أنفسكم..) .
المبدأ الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: ( ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، دماء الجاهلية موضوعة...وربا الجاهلية موضوع..) وهذا نص واضح، وتصريح صارخ أن كل ما كان عليه أمر الجاهلية قد بَطَل، ولم يبقَ له أي اعتبار، بل هو جيفة منتة، لا يمكن أن ينهض بأمة، بَلْهَ أن يبني حضارة تكون هدى للبشرية، بل هو إلى الهدم والخراب أقرب.
وثالث المبادئ في خطبته صلى الله عليه وسلم وصيته بالنساء خيرًا ( واستوصوا بالنساء خيرًا) ما أروعها من وصية، وما أحرى بالإنسانية اليوم أن تلتزم بها وتهتدي بهديها، بعد أن أذاقت المرأة أشد العذاب - تحت مسمى حرية المرأة - ودفعت بها إلى مهاوي الذل والرذيلة، وجردتها من كل معاني الكرامة والشرف، تحت شعارات مزيفة، لا تمت إلى الحقيقة في شيء.
لقد جهل أصحاب تلك الشعارات بل تجاهلوا الفرق بين كرامة المرأة وحقوقها الطبيعية التي كفلها لها شرع الله، وما نادوا به من شعارات تطالب بحرية المرأة، وهي عند التحقيق والتدقيق دعوة لاستباحة الوسائل المختلفة للتمتع بالمرأة والتلهي بها.
إن المرأة اليوم - كما لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة - تنجرف مع تيار كاسح يكاد يختزل المرأة وقيمتها ووظيفتها في الجسد المزوَّق، والمظهر المنمَّق، المعروض في كل مكان، والمبذول لكل راغب ومريد!!
أما المبدأ الرابع فكان وصيته عليه الصلاة والسلام لأمته التمسك بكتاب ربها والاعتصام به، مبينًا أنه سبيل العزة والنجاح ( وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله ) صدقت يا رسول لقد ضمنتَ لأمتك الأمان من كل شقاء وضلال إذا هي تمسكت بهدي هذا الكتاب. وهل وصلت أمة الإسلام إلى ما وصلت إليه إلا بهجر كتاب ربها وترك منهج نبيها، ولا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
كم هي البشرية اليوم بحاجة ماسَّة - بعد أن وصلت إلى ما وصلت إليه - إلى مراجعة نفسها وتدارك أمرها والاهتداء بهدي من أرسله الله رحمة للعالمين، فهل تفيء البشرية إلى رشدها أم تبقى في غيِّها لا تلوي على أحد، ولا تُقيم وزنًا لدين أو خلق. وفقنا الله لصالح القول العمل، وختم لنا بالحسنى، والحمد لله رب العالمين.
الشفقة والرحمة بالآخرين مما يحبه الله ، ويرضاه لعباده ، قال صلى الله عليه وسلم : (الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ) رواه أبو داود ، و الترمذي ، وصححه الألباني ، والأصل في المؤمنين أنهم رحماء فيما بينهم ، أشداء على الكفار ، كما وصفهم الله بذلك ، حين قال : { محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم } (الفتح:29) .
ونبينا صلى الله عليه وسلم ، له النصيب الأوفر من هذا الخلق العظيم ، ويظهر ذلك واضحاً جلياً في مواقفه مع الجميع ، من صغير ، أو كبير ، ومن قريب ، أو بعيد ، فكان يحمل تلك الرحمة والشفقة لولده ، ابتداءاً من ولادته إلى وفاته ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ولد لي الليلة غلام ، فسميته باسم أبي إبراهيم ، ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم بالصبي، فضمه إليه ، وقال ما شاء الله أن يقول ، قال أنس : لقد رأيته وهو يكيد بنفسه - أي يجود بها في النزع الأخيرللموت- بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا ، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون) رواه مسلم .
وكان صلى الله عليه وسلم ، يحمل الرحمة والشفقة لأحفاده ، ففي الصحيحين أنه (كان يصلي ، وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها) .
ولما أرسلت إليه إحدى بناته صلى الله عليه وسلم ، عند وفاة صبي لها ، ودفعت به إليه ، وهو يلفظ أنفاسه ، وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم في حجره ، وأشفق عليه ، (ففاضت عيناه ، فقال له سعد : يا رسول الله ما هذا ؟ قال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) رواه البخاري و مسلم .
ومن مظاهر شفقته ورحمته صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يخفف في صلاته ولا يطيلها عند سماع بكاء صبي ، فعن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي ،فأتجوز في صلاتي ، كراهية أن أشق على أمه) رواه البخاري و مسلم .
ومن مظاهر رحمته وشفقته كذلك ، أنه يحمل الأطفال ، ويصبر عليهم ، ويتحمل الأذى الناتج عنهم ، ويعلم الأمة دروساً عظيمة في هذا الجانب المهم ، فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي ، فبال على ثوبه ، فدعا بماء ، فأتبعه إياه) رواه البخاري .
وقد عرف الصحابة الكرام هذا الخلق من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولمسوه ، وأحسوا به في تعاملهم معه ، فعن مالك بن الحويرث قال : (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي ، فأقمنا عنده عشرين ليلة ، وكان رحيما رفيقا ، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا ، قال : ارجعوا ، فكونوا فيهم ، وعلموهم ، وصلوا ،فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ، وليؤمكم أكبركم) رواه البخاري .
هذه بعض شمائله صلى الله عليه وسلم العظيمة ، وخلقه الكريمة ، وصفاته الجليلة ، والتي ينبغي على أتباعه الاقتداء به فيها ، والسير على طريقه ، والتخلق بأخلاقه ، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
ولما كان يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة . أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالتهيؤ لغزو الروم ، فلما كان من الغد دعا أسامة بن زيد ، وأمره أن يسير إلى موضع مقتل أبيه زيد بن حارثة ، وأن يوطىء الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين ، فتجهز الناس ، وأوعب مع أسامة المهاجرون والأنصار . ثم استبطأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في بعث أسامة -وهو في وجعه- فخرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر-وكان المنافقون قد قالوا في إمارة أسامة : أمر غلاماً حدثاً على جلة المهاجرين والأنصار . فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً ، وخرج عاصباً رأسه -
وكان قد بدأ به الوجع- فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ؟ ثم قال : أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة ، فلئن طعنتم في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه . وأيم الله إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان أبوه لمن أحب الناس إلي وإن هذا لمن أحب الناس إلي من بعده ، ثم نزل . وانكمش الناس في جهازهم ، فاشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه . وخرج أسامة بجيشه ، فعسكر بالجرف ، وتتام إليه الناس ، فأقاموا لينظروا ما الله تبارك وتعالى قاض في رسوله صلى الله عليه وسلم .
لما أكمل الله الدين، وأصبح له رجال تعهدهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالتربية، واستوى الأمر، واستقامت المحجة .
أجرى الله على نبيه صلى الله عليه وسلم سنته الماضية في خلقه { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ..} (آل عمران:185) .
وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم يودع الحياة بأقوال وأفعال دالة على ذلك ، منها قوله في حجة الوداع : إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا ، ومنها أيضا أن جبريل كان يدارسه القرآن مرة، وقد دارسه في العام الذي قبض فيه مرتين ، ومنها نزول آية كمال الدين وتمامه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً } (المائدة:3) ،
ومنها نزول سورة النصر {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابا } (النصر)،
قال ابن عباس رضي الله عنه هي نعي للرسول صلى الله عليه وسلم .فكل هذه الإشارات كانت تعنى دنو أجله صلى الله عليه وسلم .
وفي يوم الاثنين 19 صفر سنة 11 من الهجرة بدأه المرض، وكان صداعاً حاداً منعه الحركة أول يوم ، و كان في بيت أم المؤمنين ميمونة ، فلما اشتد به المرض استأذن زوجاته في أن يمرض في بيت أم المؤمنين عائشة فأذِنَّ له ، فخرج إلى بيت عائشة ورجلاه تخطان في الأرض من شدة المرض ، يساعده عليّ بن أبي طالب و الفضل بن العباس .
فمكث أياماً والوجع لا يفارقه، لكنه يخرج للصلاة، ويعود إلى فراشه ، وقبل الوفاة بخمسة أيام تحامل على نفسه، وخرج للناس وخطبهم ، مذكراً أن الموعد معه على الحوض، وأنه ينظر إلى مقامه هناك، وحذرهم من التنافس في الدنيا، وأوصاهم بالنساء خيراً ، ثم قال : إنِّ عبداً خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار ما عند الله ، فأخذ أبو بكر يبكي ويقول : فديناك بآبائنا فديناك بأمهاتنا، فعجب الناس من بكاء أبي بكر رضي الله عنه، وكان قد فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فالمُخَيَّر هو رسول الله نفسه، فأثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه ونوه بفضله، ثم تحرياً منه للعدل دعا الناس قائلاً: من كانت له مظلمة عندي فليقتصها الآن مني ، ومن كان له شيء عليّ فليأخذه الآن ، ثم عاد إلى فراشه فدخل عليه جمع من الصحابة وهو يتألم ، فأوصاهم بثلاثة : إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بمثل ما كان يجيزهم، وإنفاذ جيش أسامة إلى الروم .
ثم كان يشتد عليه الألم حتى يغمى عليه وعندما يفيق يقول: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ، لا تجعلوا قبري وثناً يعبد .
فلما رأت فاطمة ما به من الألم قالت : واكرب أباه ، فقال لها : ليس على أبيك كرب بعد اليوم .
ومع اشتداد الألم عليه أوصى أن يصلي أبو بكر بالناس فصلى بهم سبع عشرة صلاة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .
وقبل الوفاة بيوم أعتق غلمانه ، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب أسلحته للمسلمين .
قالت عائشة رضي الله عنها كان إذا أفاق من ألمه يقول : اللهم الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى ، فعلمت أنه يفارقنا ، وكان يدعو اللهم اغفر لي و ارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى ، اللهم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
وفي اليوم الأخير أزاح ستار البيت والناس في صلاة الفجر ، فنظر إليهم وتبسم ، وظن الناس أنه قد شفي، وكان أخر ما قال : الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم .
ثم إنه في ضحى نفس اليوم الاثنين 12 ربيع الأول 11 هـ توفي صلى الله عليه وسلم وكان واضعاً رأسه الشريف على صدر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فخرجت في دهشة، وأخبرت الناس الخبر، والذي نزل عليهم كالصاعقة ، وذهل كبار الصحابة حتى إن عمر بن الخطاب هدد بالقتل من يقول : إن محمداً مات، واعتبرها غيبة كغيبة موسى عليه السلام وسيعود، ولم يفق الصحابة من هول الصدمة إلى أن جاء أبو بكر رضي الله عنه ودخل على الرسول صلى الله عليه وسلم وقبَّله وخرج، فخطب الصحابة قائلاً: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ُ} (آل عمران:144)، فعاد الناس إلى صوابهم، واستيقنت أنفسهم .
وقد تولى تجهيز رسول صلى الله عليه وسلم عمه العباس بن عبد المطلب و عليّ بن أبي طالب و الفضل بن العباس و قثم بن العباس ، و شقران مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، و أسامة بن زيد رضي الله عنهم .
وهكذا غادر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الدنيا إلى النعيم المقيم ، والرفيق الأعلى بعد أن أدى الأمانة ، وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وتركنا على المحجة البيضاء، نعتصم فيها بالقرآن المحفوظ، والسنة الشريفة ، وعمل الخلفاء الراشدين المهديين .
اللهم صل وسلم وبارك عليه، واجزه عنا خير ما جزيت به نبياً عن أمته، وشفعه فينا يا رب العالمين .
مما تحلى به الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، من الأخلاق الفاضلة ، والشمائل الطيبة ، الوفاء بالعهد ، وأداء الحقوق لأصحابها ، وعدم الغدر ، امتثالاً لأمر الله في كتابه العزيز حيث قال {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} (الأنعام 152) .
وتخلق الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخلق الكريم ظاهر بيّن ، سواء في تعامله مع ربه جل وعلا ، أو في تعامله مع أزواجه ، أو أصحابه ، أو حتى مع أعدائه .
ففي تعامله مع ربه كان صلى الله عليه وسلم وفياً أميناً ، فقام بالطاعة والعبادة خير قيام ، وقام بتبليغ رسالة ربه بكل أمانة ووفاء ، فبيّن للناس دين الله القويم ، وهداهم إلى صراطه المستقيم ، وفق ما جاءه من الله ، وأمره به ، قال تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} (سورة النحل 44) .
وكان وفياً مع زوجاته ، فحفظ لخديجة رضي الله عنها مواقفها العظيمة ، وبذلها السخي ، وعقلها الراجح ، وتضحياتها المتعددة ، حتى إنه لم يتزوج عليها في حياتها ، وكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ، ويصل أقرباءها ، ويحسن إلى صديقاتها ، وهذا كله وفاءاً لها رضي الله عنها .
وكان وفياً لأقاربه ، فلم ينس مواقف عمه أبي طالب من تربيته وهو في الثامنة من عمره ، ورعايته له ، فكان حريصاً على هدايته قبل موته ، ويستغفر له بعد موته حتى نهي عن ذلك .
وكان من وفائه لأصحابه موقفه مع حاطب بن أبي بلتعة مع ما بدر منه حين أفشى سر الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام في أشد المواقف خطورة ، حيث كتب إلى قريش يخبرها بمقدم رسول الله وجيشه ، فعفى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفاءاً لأهل بدر ، وقال : (إنه قد شهد بدراً ، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) رواه البخاري و مسلم .
أما وفاؤه لأعدائه فظاهر كما في صلح الحديبة ، حيث كان ملتزماً بالشروط وفياً مع قريش ، فعن أنس رضي الله عنه أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : (اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، قال سهيل : أما باسم الله فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم ، فقال : اكتب من محمد رسول الله ، قالوا : لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك ، ولكن اكتب اسمك ، واسم أبيك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب من محمد بن عبد الله ، فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، أن من جاء منكم لم نرده عليكم ، ومن جاءكم منا رددتموه علينا ، فقالوا : يا رسول الله أنكتب هذا ، قال نعم ، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا) رواه مسلم . وتم إرجاع أبي بصير مع مجيئه مسلماً وفاءاً بالعهد .
وعن حذيفة بن اليمان قال : ما منعني أن أشهد بدراً إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل ، فأخذنا كفار قريش ، قالوا : إنكم تريدون محمدا ، فقلنا : ما نريده ، ما نريد إلا المدينة ، فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ، ولا نقاتل معه ، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر ، فقال : (انصرفا ، نفي لهم بعهدهم، ونستعين الله عليهم) رواه مسلم .
وعدّ صلى الله عليه وسلم نقض العهد ، وإخلاف الوعد من علامات المنافقين ، فقال : (آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان) رواه البخاري و مسلم .
هذا هو وفاء النبي العظيم ، أَنْعِم به من خلق كريم ، تعددت مجالاته ، وتنوعت مظاهره ، فكان لكل صنف من الناس نصيب من وفاءه صلى الله عليه وسلم ، فهل أنت أخي المسلم لك نصيب من خلق نبيك ورسولك؟ ، اللهم ارزقنا الاتباع وفاءاً لك ولنبيك صلى الله عليه وسلم .
المزاح والمداعبة شئ محبب إلى النفوس ، فهو يبعث على النشاط والإقبال على الأعمال بجد وطاقة ، ولا حرج فيه ما دام منضبطا بضوابط الشرع ، ولا يترتب عليه ضرر ، بل هو مطلوب ومرغوب ، وذلك لأن النفس يعتريها السآمة والملل ، فلا بد من فترات راحة ، وليس أدل على أهمية المزاح والحاجة إليه ، مما كان عليه سيد الخلق وخاتم الرسل ، فقد كان صلى الله عليه وسلم ، يمازح أصحابه ، ويداعب أهله ، وكان يعتني بصغار السن ويجعل لهم جزءاً من وقته ، ويعاملهم بما يطيقون ويفهمون .
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا ذا الأذنين) رواه أبو داود و الترمذي وصححه الألباني .
وأتى رجلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله احملني قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنا حاملوك على ولد ناقة ، قال : وما أصنع بولد الناقة فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وهل تلد الإبل إلا النوق) . رواه أحمد و أبو داود وصححه الألباني .
وعن أنس قال : (كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له أبو عمير ، وكان إذا جاء قال : يا أبا عمير ما فعل النغير ) رواه البخاري و مسلم . والنغير هو طائر صغير كان يلعب به .
وطعن صلى الله عليه وسلم مرة أحد أصحابه بقضيب في يده مداعبة له ، فعن أسيد بن حضير قال : (بينما هو - يعني أسيد - يحدث القوم ، وكان فيه مزاح ، يضحكهم ، فطعنه النبي صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود ، فقال : أصبرني - أي اجعلني اقتص منك - ، فقال : اصطبر ، قال : إن عليك قميصا ، وليس علي قميص ، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم عن قميصه ، فاحتضنه ، وجعل يقبل كشحه - ما بين الخاصرة والضلع - ، قال إنما أردت هذا يا رسول الله) رواه أبو داود ، وصححه الألباني .
وكان يبتسم صلى الله عليه وسلم في وجوه أصحابه ، ويسمعهم الكلام الطيب ، ويتقبل شكواهم بصدر رحب وأدب جم ، فعن جرير رضي الله عنه ، قال : (ما حجبني النبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم في وجهي ، ولقد شكوت إليه إني لا أثبت على الخيل ، فضرب بيده في صدري وقال اللهم ثبته ، واجعله هاديا مهديا) . رواه البخاري .
وكان صلى الله عليه وسلم يمزح مع أقاربه ، فيأتي علياً ابن عمه وزوج ابنته ، وهو مضطجع في المسجد ، بعد أن سأل عنه فاطمة رضي الله عنها ، فقالت كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج ، فيقول له : (قم أبا التراب قم أبا التراب) . رواه البخاري و مسلم .
أما مزاحه مع أهله ، ومداعبته لزوجاته ، وبناته ، فكان لهم نصيب وافر من خلقه العظيم في هذا الجانب المهم ، فكان يسابق عائشة رضي الله عنها ، ويقر لعبها مع صواحبها فعنها رضي الله عنها قالت : (كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي) . رواه البخاري .
أما بالنسبة للصغار ، واعتنائه صلى الله عليه وسلم بهم، ومداعبته لهم ، فيظهر واضحاً جلياً فيما ورد مع الحسن و الحسين رضي الله عنهما ، فعن عبد الله بن شداد عن أبيه قال : (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى صلاتي العشاء ، وهو حامل حسنا أو حسينا ، فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه ، ثم كبر للصلاة فصلى ، فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها ، قال أبي: فرفعت رأسي، وإذا الصبي على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو ساجد ، فرجعت إلى سجودي ، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال الناس : يا رسول الله إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتى ظننا أنه قد حدث أمر ، أو أنه يوحى إليك ، قال : كل ذلك لم يكن ، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته) . رواه أحمد و النسائي وصححه الألباني .
ومن خلال ذلك يتبين مجال الفسحة في ديننا العظيم ، وأنه لا تعارض بين الجد والمرح أحياناً ، وكما أن في ديننا الإسلامي غذاء للقلوب والأرواح ، وتوجيهات لما يصلح الأجساد ، ففيه أيضاً ما يروح عن النفوس ، ويبعث فيها الفرح والسرور ، فالحمد لله على نعمة الإسلام.
العدل خلق كريم وصفة عظيمة جليلة ، محببة إلى النفوس ، تبعث الأمل لدى المظلومين ، ويحسب لها الظالمون ألف حساب ، فالعدل يعيد الأمور إلى نصابها ، وبه تؤدى الحقوق لأصحابها ، به يسعد الناس ، وتستقيم الحياة ، ما وجد العدل في قوم إلا سعدوا ، وما فقد عند آخرين إلا شقوا
العدل خلق العظماء ، وصفة الأتقياء ، ودأب الصالحين ، وطريق الفلاح للمؤمنين في الدنيا ويوم الدين .
تحلى به الأنبياء والصالحون والقادة والمربون ، وكان أعظمهم في ذلك ،وأكثرهم قدراً ونصيباً سيد العالمين ، وخاتم الرسل أجمعين ، محمد بن عبدالله عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم .
فالعدل خلق من أخلاقه ، ضمن شمائله العظيمة ، وصفاته الجليلة ، عدل في تعامله مع ربه جل وعلا ، وعدل في تعامله مع نفسه ، وعدل في تعامله مع الآخرين ، من قريب أوبعيد ، ومن صاحب أو صديق ، ومن موافق أو مخالف ، حتى العدو المكابر، له نصيب من عدله صلى الله عليه وسلم ، وكيف لا يعدل من خوطب بقول واضح مبين، {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون} (المائدة:8) ، فكان يمتثل أمر الله عز وجل في كل شأن من شؤونه ، مع أصحابه وأعدائه ، آخذاً بالعدل مع الجميع .
يعترض عليه القوم ويخطئ في حقه أناس ، فلا يتخلى عن العدل ، بل يعفو ويصفح ، كما في حادثة يرويها أبو سعيد الخدري قال: بعث علي رضي الله عنه وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر ، الأقرع بن حابس الحنظلي ، و عيينة بن بدر الفزاري ، و علقمة بن علاثة العامري ، ثم أحد بني كلاب ، و زيد الخير الطائي ، ثم أحد بني نبهان ، فغضبت قريش ، فقالوا : أتعطي صناديد نجد وتدعنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم ، فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين غائر العينين ناتئ الجبين محلوق الرأس ، فقال اتق الله يا محمد ، قال ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن يطع الله إن عصيته، أيأمنني على أهل الأرض ، ولا تأمنوني ) رواه البخاري و مسلم .
ويظهر هذا الخلق العظيم منه صلى الله عليه وسلم في أبهى صورة ، عندما يطلب ممن ظن أنه أخطأ في حقه ، أن يستوفي حقه ، بالقود منه ، فعن أبي سعيد الخدري قال (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا ، أقبل رجل فأكب عليه ، فطعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرجون كان معه ، فخرج الرجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تعال فاستقد ، قال : بل قد عفوت يا رسول الله) رواه النسائي .
والعدل ملازم للرسول صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله ، فهو يكره التميز على أصحابه ، بل يحب العدل والمساواة ، وتحمل المشاق والمتاعب مثلهم ، فعن عبد الله بن مسعود قال (كنا يوم بدر كل ثلاثة على بعير، وكان أبو لبابة و علي بن أبي طالب زميلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: وكانت عقبة -دور- رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالا : نحن نمشي عنك، فقال : ما أنتما بأقوى مني ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما) رواه أحمد في مسنده.
ولم ينشغل صلى الله عليه وسلم بالدولة وقيادتها ، والغزوات وكثرتها ، عن ممارسة العدل في نطاق الأسرة الكريمة ، وبين زوجاته أمهات المؤمنين ، فقد (كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك ) رواه الترمذي وفيه ضعف ، ومعنى قوله لا تلمني فيما تملك ولا أملك، أي الحب والمودة القلبية ، كما قال أهل العلم .
وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه ، فأيتهن خرج سهمها خرج بها) رواه البخاري و مسلم .
فعن أنس قال ( أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعاما في قصعة ، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : طعام بطعام ، وإناء بإناء) رواه الترمذي وحسنه ، والحديث في البخاري بلفظ آخر .
وفي قضائه بين المتخاصمين كان عادلاً صلى الله عليه وسلم ، بعيداً عن الحيف والظلم ، فعن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدته (فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الأموال حفظها بالنهار ، وعلى أهل المواشي حفظها بالليل) رواه أحمد .
وكان صلى الله عليه وسلم لا يرضى تعطيل حدود الله ، التي شرعها سبحانه لإقامة العدل بين الناس ، ولو كان الجاني من أقربائه وأحبابه ، ففي حادثة المرأة المخزومية التي سرقت لم يقبل شفاعة أسامة ، وقال مقالته المشهورة : ( أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد ، وايـم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) رواه البخاري و مسلم .
وكان صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالعدل في الأمور ، وعدم تغليب جانب على حساب آخر ، وإنما الموازنة وإعطاء كل ذي حق حقه ، فقال : (يا عبد الله بن عمرو بلغني أنك تصوم النهار ، وتقوم الليل فلا تفعل ، فإن لجسدك عليك حظا ، ولعينك عليك حظا ، وإن لزوجك عليك حظا) رواه مسلم .
وبهذا الخلق العظيم ، والأدب الرفيع ، استطاع صلى الله عليه وسلم ، أن يلفت الأنظار نحوه ، ويحرك المشاعر والأحاسيس إلى مبادئه العظيمة ، ويرسم منهاجاً فريداً لخير أمة أخرجت للناس ، تحمل العدل إلى الناس أجمعين ، وتبدد به ظلمات القهر والظلم .
الزهد في حقيقته هو الإعراض عن الشيء ، ولا يطلق هذا الوصف إلا على من تيسر له أمر من الأمور فأعرض عنه وتركه زهدا فيه , وأما من لم يتيسر له ذلك فلا يقال إنه زهد فيه ، ولذلك قال كثير من السلف : إن عمر بن عبد العزيز كان أزهد من أويس رحمة على الله الجميع ، وقال مالك بن دينار عن نفسه : الناس يقولون مالك زاهد ، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز ، أي إنه هو الزاهد حقيقة فإن الدنيا كانت بين يديه فلم يلتفت إليها .
وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أزهد الناس في الدنيا , وأقلهم رغبة فيها ، مكتفياً منها بالبلاغ ، راضياً فيها بحياة الشظف ، ممتثلاً قول ربه عز وجل : { ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} (طه 131) ، مع أن الدنيا كانت بين يديه ، ومع أنه أكرم الخلق على الله ، ولو شاء لأجرى الله له الجبال ذهباً وفضة .
وقد ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره عن خيثمة أنه قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم نعطه نبياً قبلك , ولا نعطي أحداً من بعدك ، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله , فقال : اجمعوها لي في الاخرة ، فأنزل الله عز وجل في ذلك : {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا } (الفرقان 10) ، وخُيِّر صلى الله عليه وسلم بين أن يكون ملِكاً نبياً أو عبداً رسولاً ، فاختار أن يكون عبداً رسولاً .
وأما حياته صلى الله عليه وسلم ومعيشته فعجب من العجب ، يقول أبو ذر رضي الله عنه :كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة ، فاستقبلَنا أحدٌ ، فقال : ( يا أبا ذر : قلت : لبيك يا رسول الله ، قال : ما يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا ، تمضي علي ثالثة وعندي منه دينار ، إلا شيئاً أرصده لدين ، إلا أن أقول به في عباد الله هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه ، ثم مشى فقال : إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن خلفه وقليل ما هم ) . رواه البخاري ، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا - وفي رواية - كفافا ) ، ودخل عليه عمر رضي الله عنه يوماً ، فإذا هو مضطجع على رمالٍِ وحصيٍر ليس بينه وبينه فراش ، وقد أثر في جنبه ، قال عمر : فرفعت بصري في بيته ، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر ، فقلت : ادع الله فليوسع على أمتك ، فإن فارس والروم وسع عليهم وأعطوا الدنيا وهم لا يعبدون الله ، فقال : ( أوَفي شك أنت يا ابن الخطاب ، أولئك قوم عُجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) ، وكان يقول : (ما لي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ، ثم راح وتركها ) ، وكان فراشه صلى الله عليه وسلم من الجلد وحشوه من الليف .
وأما طعامه فقد كان يمر عليه الهلال ثم الهلال ثم الهلال ، ثلاثة أهلة ، وما توقد في بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار ، وإنما هما الأسودان التمر والماء ، وربما ظل يومه يلتوي من شدة الجوع وما يجد من الدَّقل - وهو رديء التمر - ما يملأ به بطنه ، وما شبع صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى قبض ، ولم يأكل صلى الله عليه وسلم على خِوان - وهو ما يوضع عليه الطعام - حتى مات .
ولم يترك صلى الله عليه وسلم عند موته درهما ولا دينارا ولا عبدا ولا أمة ولا شيئا إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة ، قالت عائشة رضي الله عنها :" توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما في رفِّي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رفٍّ لي ، فأكلتُ منه حتى طال عليَّ " .
إن ما ذكرناه في هذه العجالة هو شيء يسير من أخبار إمام الزاهدين وسيد العابدين صلى الله عليه وسلم، وغيرها كثير لم يذكر، وستظل هذه الأخبار شواهد صدق على نبوته وزهده وإيثاره ما عند الله عز وجل, وإن فيها دعوة للأمة وللأجيال المؤمنة إلى الزهد في الدنيا والحذر من فتنتها، فلو كانت الدنيا دليل محبة الله لصاحبها، لفاز بها خير الخلق وأكرمهم على الله, فصلوات الله وسلامه على خاتم النبيين وإمام المتقين .
إن الحديث عن صبره عليه الصلاة والسلام , هو في حقيقة الأمر حديث عن حياته كلها , وعن سيرته بجميع تفاصيلها وأحداثها , فحياته صلى الله عليه وسلم كلها صبر ومصابرة , وجهاد ومجاهدة , ولم يزل عليه الصلاة والسلام في جهد دؤوب ، وعمل متواصل ، لا ينقطع ولا يهدأ ، ولا يعرف الكلل والملل , منذ بدء الرسالة ونزول أول آية عليه ، وحتى آخر لحظة في حياته وهو يلفظ أنفاسه ويودع الحياة .
لقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم طبيعة ما سيلقاه في هذا الطريق , منذ اللحظة الأولى لنزول هذا الدين ، وبعد أول لقاء بالملك , حين ذهبت به خديجة رضي الله عنها إلى ورقة بن نوفل ، فقال له ورقة : يا ليتني كنت حياً إذ يخرجك قومك , فقال له عليه الصلاة والسلام : أو مخرجي هم , قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي . فوطن نفسه منذ البداية على تحمل الصد والإيذاء والكيد والعداوة .
ومن المواقف التي يتجلى فيها صبره عليه الصلاة والسلام ما تعرض له من أذى جسدي من قومه وأهله وعشيرته وهو بمكة يبلغ رسالة ربه ، ومن ذلك ما جاء عند البخاري أن عروة بن الزبير سأل عبد الله ابن عمرو بن العاص عن أشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط ، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله .
وفي يوم من الأيام كان عليه الصلاة والسلام يصلي عند البيت ، وأبو جهل وأصحاب له جلوس ، إذ قال بعضهم لبعض : أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ، فانبعث أشقى القوم فجاء به ، فنظر حتى سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه ، فجعلوا يضحكون و يميل بعضهم على بعض ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه ، حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره الأذى .
وأشد من ذلك الأذى النفسي برد دعوته وتكذيبه ، واتهامه بأنه كاهن وشاعر ومجنون وساحر , وقد حدَّث صلى الله عليه وسلم عن موقف من مواقف الأسى والحزن ، حين يبلغ الحد بالإنسان أن ينسى نفسه وهو في غيبوبة الهم والحزن ، وذلك بعد أن ضاقت عليه مكة فخرج إلى الطائف يطلب النصرة ، روى البخاري ومسلم أن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقالت : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال : ( لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل ابن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال فسلم علي ، ثم قال : يا محمد فقال : ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) ويبلغ الأذى قمته فيحاصر ثلاث سنوات في شعب أبي طالب ، وتهجم عليه الأحزان المتوالية ، فيفقد زوجته خديجة التي كانت خير ناصر ومعين بعد الله عز وجل ، ثم يفاجأ بموت عمه الذي كان يحوطه ويدافع عنه ، ويضاعف حزنه أن مات على الكفر ، ثم يخرج من بلده مهاجراً طريدا ًشريداً بعد عدة محاولات لقتله واغتياله ، وفي المدينة بدأ عهداً جديدا ًمن الصبر والتضحية ، وحياة فيها الكثير من الجهد والشدة ، ولم يكن يخرج من غزوة إلا ويدخل في أخرى ، حتى شُجَّ وجهه الشريف ، وكسرت رباعيته ، واتهم في عرضه ، وجاع وافتقر وربط على بطنه الحجر ، وما بدر وأحد والأحزاب وتبوك وحنين وغيرها من غزواته وسراياه التي بلغت مائة غزوة وسرية ، إلا صفحات مضيئة من صبره وجهاده صلى الله عليه وسلم , روى البخاري عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة ، فقال رجل من الأنصار : والله ما أراد محمد بهذا وجه الله ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فتمعر وجهه وقال : ( رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ) .
وما ذكرناه إنما هو شيء من صبره صلى الله عليه وسلم , مدة ثلاثٍ وعشرين سنة , يبلِّغ فيها رسالات ربه , لم يجزع يوماً ، ولم يتخل عن دعوته ، ولو أصيب غيره بعشر ما أصيب به لوجد مبرراً للتخلي عن الدعوة وترك المسؤولية ، وإن في صبره صلى الله عليه وسلم وفيما لقيه من أعظم ما يسلِّي الداعية ويثبته على هذا الطريق , الذي هو طريق الأنبياء والمرسلين . فصلوات الله على عبده ورسوله وعلى سائر الأنبياء والمرسلين .
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أموره كافة أسوة يُقتدي بنهجه، ويُهتدي بهديه ، كيف لا وهو صفوة الله إلى خلْقه ، ورحمة منه إلى عباده .
وكان صلى الله عليه وسلم قدوة في عبادته ومعاشه، في اجتماعه وانفراده ، في ليله ونهاره، وفي غير ذلك.
وفي هذه العُجالة نقف عند خبره صلى الله عليه وسلم في نومه وانتباهه، لنتبين أمره في ذلك ، ونقتدي به، ونحذوا حذوه .
فقد كان صلى الله عليه وسلم على صلة دائمة بخالقه ، ومستحضراً لعظمته ، راغباً في لقائه ، وراهباً من حسابه وعقابه. وكان إذا أراد أن يعطي جسده حقه من الراحة بعد عناء نهار طويل استحضر ذكره تعالى ، وتوجه إليه داعياً : ( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا ، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي) رواه مسلم ، فهو صلى الله عليه وسلم قبل أن يخلد إلى نومه يحمد ربه على ما أنعم عليه من نعمة الطعام والشراب والإيواء ، التي حرم منها كثير من الناس ، فكم من أناس أمضوا نهارهم وباتوا ليلهم دون أن يجدوا الحد الأدنى مما يقيم أودهم ، ويكفي حاجتهم، فهذه النعم ينبغي أن تتبع دوماً بالحمد والشكر لمانحها، لا بالكفر والنكران .
ثم إنه صلى الله عليه وسلم إذا أسلم النفس لراحتها ذكَّرها بأن أمرها أولاً وآخراً بيد بارئها لا بيد أحدٍ غيره، فقال داعياً: ( اللَّهُمَّ إني أَسْلَمْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْت أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ) متفق عليه.
ففي هذا الدعاء بيان للحال الذي على المسلم أن يكون عليها وهو على فراش نومه ، إنه حال الاستسلام والتسليم إلى خالق النفس وبارئها.وقريب من هذه الدعاء دعائه صلى الله عليه وسلم على تلك الحال بقوله : (باسمك رب وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) متفق عليه.
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا أخذ مضجعه للنوم أن يضع يده تحت خده الأيمن داعياً ( اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك) رواه أبو داود و أحمد .
وكان يكرر ذلك ثلاث مرات ، مما يدل على أنه صلى الله عليه سلم كان دائم حضور القلب مع خالقه .
ثم إن من هديه صلى الله عليه سلم أنه إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ، وتفل فيهما قارئاً المعوذات : قل هو الله أحد ، قل أعوذ برب القلق ، قل أعوذ برب الناس ، ماسحاً بهما جسده ، تحصيناً له من شر الإنس والجن .
ومن هديه صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن أنه إذا نام لم يستغرق الليل كله في النوم، بل كان يقوم من الليل متهجداً ، وذاكراً لربه منيباً إليه ، مستحضراً قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (السجدة:16)
وكان صفة قيامه في ليله، أن يطيل القيام وهو يناجي ربه .وقد وصفت أم المؤمنين عائشة طول قيامه فقالت : (كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه، فقيل له : لم تشق على نفسك كل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأجاب إجابة العارف لقدر خالقه : أفلا أكون عبداً شكوراً ) متفق عليه
ومما له دلالته في هذا السياق ، أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا نام نامت عيناه فحسب دون أن ينام قلبه ، وهذا مما اختصه به سبحانه دون غيره من عباده ، وهو ما يؤيد ما ذكرناه مراراً من أنه صلى الله عليه وسلم كان دائم الحضور مع ربه ، مستحضراً لعظمته ، راغباً في لقائه ، وراهباً من عذابه .
أما استيقاظه وانتباهه صلى الله عليه وسلم من نومه، فقد كان كذلك على ذكر الله، كباقي أحواله، فإذا انتبه من نومه دعا ربه وحمده على نعمة الحياة بعد تلك الموتة ، فكان يقول : (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) رواه أبوداود.
بل ومرة قام صلى الله عليه وسلم من الليل فقرأ الآيات من أواخر سورة آل عمران من قوله تعالى : ( إن في خلق السماوات والأرض ..) إلي قوله تعالى ( يأيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ....) وهذا مما يشير إلى إحدى حالات إنتباهه صلى الله عليه وسلم من نومه وكيف كانت.
وبعد أخي الكريم ـ فهذا قليل من كثير من هديه صلى الله عليه وسلم في نومه وقيامه وانتباهه ، كتبناه تذكيراً لنا ولك عسى الله أن يوفقنا للاهتداء بهدي خير خلقه واتباع سننه لننال وعده سبحانه حيث قال : {وإن تطيعوه تهتدوا} (النور54). وقال أيضاً {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه} (آل عمران31). وفقنا الله وإياك لذلك ، والحمد لله رب العالمين .
خلق التواضع من الأخلاق الفاضلة الكريمة ، والشيم العظيمة التي حث عليها الإسلام ورغَّب فيها، وتمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجاً عملياً في حياته، وفي ثنايا الأسطر التالية نقف عند بعض ملامح هذا المنهج العملي لنرى تواضعه صلى الله عليه وسلم.
فقد كان صلى الله عليه وسلم مع علو قدره ، ورفعة منصبه أشد الناس تواضعاً، وألينهم جانباً، وحسبك دليلاً على هذا أن الله سبحانه وتعالي خيَّره بين أن يكون نبياً ملكاً ، أو نبياً عبداً ، فأختار أن يكون نبياً عبداً صلوات الله وسلامه عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم يمنع أصحابه من القيام له، وما ذلك إلا لشدة تواضعه فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئاً على عصاً ، فقمنا له ، قال : ( لا تقوموا كما يقوم الأعاجم ، يعظِّم بعضهم بعضاً) رواه أحمد و أبو داود وهذا خلاف ما يفعله بعض المتكبرين من حبهم لتعظيم الناس لهم ، وغضبهم عليهم إذا لم يقوموا لهم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام ( من أحب أن يتمثَّل له الناس قياماً فليتبوأ مقعده من النار) رواه أحمد و الترمذي و أبو داوود .
وخلق التواضع كان سمةً ملازمةً له صلى الله عليه وسلم في حياته كلها، في جلوسه ، وفي ركوبه ، وفي أكله ، وفي شأنه كله ، ففي أكله وجلوسه نجده يقول (إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) رواه ابن حبان ، وفي ركوبه يركب ما يركب عامة الناس، فركب صلى الله عليه وسلم البعير و الحمار والبغلة والفرس، قال أنس رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف ) رواه الترمذي .
وفي "سنن" ابن ماجه عن قيس بن أبي حازم : أن رجلاً أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام بين يديه فأخذته رعدة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( هوّن عليك فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد)
ـ والقديد هو اللحم المجفف - وهذا من تمام تواضعه صلى الله عليه وسلم حيث بين له أنه ليس بملك، وذكر له ما كانت تأكله أمه لبيان أنه رجل منهم ، وليس بمتجبر يُخاف منه.
وبالجملة فإن الناظر إلى ما تقدم بعين البصيرة والاعتبار يعلم علم اليقين، أن خلق التواضع كان خلقاً ملازماً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه من الأخلاق التي ينبغي على المسلم أن يتحلى بها و يحرص عليها إقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم كي ينال خيريِّ الدنيا والآخرة، والحمد لله رب العالمين.
اتصف صلى الله عليه وسلم بصفات لم تجتمع لأحد قبله ولا بعده ، كيف لا وهو خير الناس وأكرمهم عند الله تعالى .
فقد كان صلى الله عليه وسلم أفصح الناس ، وأعذبهم كلاماً وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقا حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويأسر الأرواح ، يشهد له بذلك كل من سمعه.
وكان إذا تكلم تكلم بكلام فَصْلٍ مبين، يعده العاد ليس بسريع لا يُحفظ ، ولا بكلام منقطع لا يُدركُه السامع، بل هديه فيه أكمل الهديِّ ،كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بقولها: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا ، ولكن كان يتكلم بكلام بيِّن فصل يتحفظه من جلس إليه) متفق عليه .
وثبت في (( الصحيحين )) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( بعثت بجوامع الكلام) وكان كثيراً ما يعيد الكلام ثلاثاً ليفهمه السامع ويعقله عنه ، ففي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه : ( كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ، حتى يفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم ، سلم ثلاثاً) .
وكان صلى الله عليه وسلم طويل الصمت لا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، وكان إذا تكلم افتتح كلامه واختتمه بذكر الله، وأتى بكلام فَصْلٍ ليس بالهزل ، لازيادة فيها عن بيان المراد ولاتقصير ، ولا فحش فيه ولا تقريع ،
أما ضحكه صلى الله عليه وسلم فكان تبسماً، وغاية ما يكون من ضحكه أن تبدو نواجذه ، فكان يَضْحَك مما يُضْحك منه ، ويتعجب مما يُتعجب منه.
وكان بكاؤه صلى الله عليه وسلم من جنس ضحكه ، فلم يكن بكاءه بشهيق ولا برفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، بل كانت عيناه تدمعان حتى تهملا، ويُسمع لصدره أزيز، وكان صلى الله عليه وسلم تارة يبكى رحمة للميت كما دمعت عيناه لموت ولده، وتارة يبكي خوفاً على أمته وشفقة عليها ، وتارة تفيض عيناه من خشية الله ، فقد بكى لما قرأ عليه ابن مسعود رضي الله عنه (سورة النساء ) وانتهى إلى قوله تعالى {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} [النساء:41].
وتارة كان يبكي اشتياقاً ومحبة وإجلالاً لعظمة خالقه سبحانه وتعالى.
وما ذكرناه وأتينا عليه من صفاته صلى الله عليه وسلم غيض من فيض لا يحصره مقال ولا كتاب، وفيما ألمحنا إليه عبرة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً والحمد لله أولاً وأخراً .
طاعة الله وعبادته من أعظم الصفات التي مدح الله بها عباده المؤمنين، وأكمل الناس عبادة لله تعالى وطاعة له، رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقد كان هديه في العبادة هدياً كاملاً لا غلو فيه ولا تقصير، فكانت طاعة الله تعالى صفة ملازمة له في جميع حركاته وسكناته،في قيامه وقعوده ، ونومه وانتباهه وجَده ومزاحه، وفي كل أحواله لا يخرج عن هذا المعنى. ففي اجتهاده في العبادة تخبرنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه كان يصوم حتى نقول إنه لايفطر..)رواه البخاري 0
أما عن طول قيامه بين يدي الله في صلاة الليل فلهو العجب قال عوف بن مالك رضي الله عنه : قمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدأ واستاك وتوضأ، وقام فصلى، فاستفتح بالبقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ . ثم ركع فمكث راكعاً بقدر قيامه، يقول في ركوعه: سبحان ذى الجبروت والملكوت والكبرياء و العظمة، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في سجوده: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم قرأ آل عمران ثم سورة ، سورة، فعل مثل ذلك .
وعبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم مستمرة ومتواصلة، فقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها " كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة وأيكم يطيق ما كان يطيق " ومعنى قولها ديمة أي يداوم عليه ، بل لو فاته شيء من النوافل قضاه،
وبالجملة فهو أكمل الناس عبادة وطاعة فصلوات الله وسلامه عليه.فليكن لنا في عبادته وعمله أسوة لنا،لنسعد في الدنيا والآخره لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا االأحزاب:21
الحياء خلق إسلامي رفيع يبعث على تجنب القبائح ، ويرغب الإنسان في فعل الحسن، ويمنع من التقصير في حق أصحاب الحقوق .
ويكفي لبيان منزلة هذا الخلق في الإسلام قوله صلى الله عليه وسلم (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) رواه ابن ماجه وصححه الألباني .
والحياء من شعب الإيمان كما ثبت في الحديث الصحيح (الإيمان بضع وستون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان) .رواه الجماعة واللفظ للبخاري
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر الناس حياءً وأعظمهم اتصافاً بهذا الخلق الرفيع، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها) متفق عليه.
وكان صلى الله عليه وسلم يستحي من الخالق سبحانه وتعالى ومن الخلق.
أما حياؤه من الخالق جلّ وعلا فهو أكمل الحياء،ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لموسى عليه السلام ليلة المعراج لما طلب منه مرة بعد مرة أن يرجع إلى ربه فيسأله التخفيف من الصلوات قال: ( استحييت من ربي) رواه البخاري .
وأما حياؤه من الناس فأدلته كثيرة منها ما روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، (أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل، قال خذي فرصة من مسك فتطهري، بها قالت كيف أتطهر؟ قال تطهري بها قالت كيف؟ قال سبحان الله! تطهري، و استحيا وأعرض عنها، فجذبتْها عائشة رضي الله عنها وقالت تتبعي بها أثر الدم) متفق عليه. فانظر كيف حمله الحياء على الإعراض عن التفصيل في هذا الأمر، حتى تولته أم المؤمنين، لتعلقه بأمور النساء الخاصة.
ومن الأدلة على حيائه كذلك ما رواه الشيخان عن أنس رضي الله عنه في قصة زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش ، فبعد أن أكل الصحابة تفرقوا، وبقي ثلاثة منهم في البيت يتحدثون، والنبي صلى الله عليه وسلم يريد خروجهم، قال أنس رضي الله عنه : ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء. وفي رواية، جعل النبي صلى الله عليه وسلم يستحي منهم أن يقول لهم شيئاً ) وهذا الحديث من أعظم الأدلة على شدة حيائه صلى الله عليه وسلم. فقد حمله الحياء على عدم مواجهة أصحابه بشأن خروجهم، حتى تولى الله تعالى بيان ذلك، إعظاماً لحق نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب:53].
وبعدُ: ففيما قدمنا قليل من كثير ،من حياء النبي صلى الله عليه وسلم، فحريٌّ بنا أن نتأسى به ، ونقتفي أثره لنكون من السعداء في الدنيا والآخرة ، وفق الله الجميع للاقتداء به عليه الصلاة والسلام.
اختصَّ الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم بخصائص لم تكن لأحد من الخلق قبله ولا بعده. ولا عجب في ذلك، فهو أكرم مخلوق على الله سبحانه، وهو خير نبي أرسله، وللعالمين أجمعين بعثه.
وذكر خصوصياته صلى الله عليه وسلم لا يحيط بها كتاب، فضلاً أن يستوعبها مقال، وحسبنا في مقامنا هذا أن نقف عند بعض خصوصياته التي وردت في الحديث الصحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( أعطيت خمساً لم يُعطهن أحد قبلي، نُصرت بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل، وأُحلت ليَ الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) رواه البخاري ومسلم.
فمما اُختص به نبي هذه الأمة نصرته بالرعب مسيرة شهر، وهذه الخصوصية حاصلة له صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، فهو منصور حتى لو كان وحده من غير رجال أو عتاد. وهل هذه الخاصية حاصلة لأمته من بعده؟ قال ابن حجر : فيه احتمال. ويُرجِّح هذا الاحتمال، كون معظم الخصائص التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم كانت عامة له ولأمته.
وخُص عليه الصلاة والسلام أيضاً بجعل الأرض له مسجداً وطهوراً، وهذه الخاصية ثابتة لأمته من بعده أيضاً بنص الحديث، فكل مسلم أدركته الصلاة يصلي في المكان الذي هو فيه، وهذا خلاف ما عليه الشرائع الأخرى، حيث لا تؤدى العبادات فيها إلا في أماكن مخصوصة، لا تجوز في غيرها.
ومن خصوصياته عليه الصلاة والسلام إحلال الغنائم له، ولم تكن أُحلِّت لأحد من قبله، حيث كانت الغنائم تُجمع ثم تحرق، أو تجمع وتترك إلى أن تأتيَ نار من السماء فتأكلها، فأحلَّها الله إكراماً لخير أنبيائه، وجعل هذه الخاصية شاملة لأمته من بعده، تبعاً له صلى الله عليه وسلم.
ومن جملة ما اختص الله به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى، حيث يشفع في الخلائق ليريحهم من هول الموقف وطول الوقوف؛ انتظاراً للحساب يوم القيامة، بعد أن يعتذر جميع الأنبياء عن ذلك. والشفاعة العظمى - وهي المقام المحمود - ثبتت له خاصَّة - عليه الصلاة والسلام - في أحاديث عدة، بلغت مبلغ التواتر، نقتطف منها حديثاً واحداً، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع وأول مشفع ) رواه مسلم.
والشفاعة - كما ذكر العلماء - أنواع، فمنها الشفاعة في الخلاص من هول الموقف يوم القيامة، ومنها الشفاعة في قوم يدخلون الجنة بغير حساب، ومنها الشفاعة في رفع الدرجات، ومنها الشفاعة في إخراج قوم من النار، وكل هذا وردت فيه أدلة ليس هذا مكان ذكرها.
يُضاف إلى خصوصياته - غير ما تقدم - أن دعوته صلى الله عليه وسلم كانت دعوة للناس كافة، بينما كانت دعوة من قبله من الرسل لأقوامهم خاصة، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ} (سـبأ:28) وفي رواية لمسلم: (وبعثت إلى كل أحمر وأسود) وفي رواية أخرى له: (وأرسلت إلى الخلق كافة) .
ولو تأملنا في هذه الخصائص النبوية الخمس، التي أتينا على ذكرها، لوجدناها تتفق تمام الاتفاق مع هذه الشريعة المباركة - شريعة الإسلام - التي جاء بها رسولنا الكريم، فهي الرسالة الخالدة، والرسالة العامة للناس كافة، وهي الرسالة الوسط، فلا إفراط فيها ولا تفريط، وهي الرسالة الشاهدة على الناس أجمعين يوم القيامة.
هذا ما يسَّره الله لنا من ذكر بعض خصائصه صلى الله عليه وسلم، كما وردت في هذا الحديث، ولا تظن - أخي الكريم - أن خصائصه صلى الله عليه وسلم محصورة في هذه الخمس، بل إن وراء ذلك خصائص أُخر، عدَّ منها ابن حجر نحو سبع عشرة خصلة اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم وأمته، يمكن الرجوع في معرفتها إلى كتب السيرة النبوية، التي تحدثت عنها بإسهاب وتفصيل، ككتاب "زاد المعاد" لـ ابن القيم ، وكتاب "سبل الهدى والرشاد" لـ الصالحي ، وغير ذلك من الكتب التي فصَّلت سيرته - عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم - أدق تفصيل.
وحاصل القول في المسألة، أن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنواع، فهناك ما اختص به عن أمته وعن غيره من الأنبياء، كالشفاعة. وهناك ما اختص به وأمته عن غيره من الأمم والأنبياء،كجعل الأرض له ولأمته مسجداً وطهوراً.
وسيكون لنا وقفات أخرى مع بعضٍ من خصوصياته، إن شاء الله، نسأله تعالى أن يجعلنا من المتمسكين بهدي نبيه، والسائرين على دربه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير الخلق أجمعين.
الحاكم بأمر الله
هذه وقفة أخرى مع بعض خصائص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، تلك الخصائص التي تبين مكانته العظيمة ، ومنزلته الرفيعة ، مما اختصه به سبحانه عن غيره من الأنبياء وسائر خلقه .
فمن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه صاحب الكوثر ، وهو النهر العظيم الذي وعده الله به في الجنة ، يُسقى منه أتباعه من أمته ، ويُبعد عنه آخرون لمخالفتهم لما جاء به ، وانحرافهم عن نهجه صلى الله عليه وسلم ، فعن أنس -رضي الله عنه- قال: (بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا في المسجد ، إذ أغفى إغفاءة ، ثم رفع رأسه متبسماً، قلنا : ما أضحكك يا رسول الله. قال : لقد أنزلت علي آنفاً سورة فقرأ {إنا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر} (الكوثر:1-3) . ثم قال أتدرون ما هو الكوثر ؟ قلنا الله ورسوله أعلم قال : فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل ، عليه خير كثير ، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم ، فيختلج العبد منهم ، فأقول رب إنه من أمتي ، فيقول إنك لا تدري ما أحدث بعدك) رواه الإمام مسلم . والكوثر نهر داخل الجنة يصب ماؤه في الحوض ، ويطلق على الحوض "كوثر" لكونه يُمدُّ منه ، فالنهر مادة الحوض .
قال أهل العلم : مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به ، أن الله خصّ نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالكوثر ، المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة المشتهرة ، التي يحصل بها العلم القطعي ، وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف.
ومن خصائص نهر الكوثر أنه يجري من غير شق ، وحافتاه قباب ، وترابه مسك ، وحصاه لؤلؤ ، قال-صلى الله عليه وسلم- : (بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف ، قلت ما هذا يا جبريل؟ قال هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ، فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر ) رواه البخاري .
وعن أنس رضي الله عنه أنه قرأ هذه الآية {إنا أعطيناك الكوثر} قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أعطيت الكوثر ، فإذا هو نهر يجري ، ولم يشق شقا ، فإذا حافتاه قباب اللؤلؤ ، فضربت بيدي إلى تربته فإذا هو مسكة ذفرة ، وإذا حصاه اللؤلؤ ) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني .
ومن خصائص هذا النهر أن له آنية كثيرة للشاربين ، ففي الحديث : ( هل تدرون ما الكوثر ؟ قلنا الله ورسوله أعلم . قال : فإنه نهر وعدنيه ربي في الجنة ، آنيته أكثر من عدد الكواكب ) رواه النسائي ، وصححه الألباني .
ومن خصائص هذا النهر- إضافة لما تقدم - أن لونه أشد بياضاً من اللبن ، وطعمه أحلى من العسل ، ففي مسند الإمام أحمد (أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما الكوثر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو نهر أعطانيه الله في الجنة ، أبيض من اللبن ، وأحلى من العسل ، فيه طيور أعناقها كأعناق الجُزُر- الإبل- ، فقال عمر بن الخطاب : إنها لناعمة يا رسول الله . قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : آكلوها أنعم منها) وصححه الألباني .
فهنيئاً للمتبعين لرسول الله ، المقرَّبين منه يوم القيامة ، الشاربين من حوضه ، فهم الفائزون يوم يخسر الخاسرون ، وهم السعداء يوم يحزن المحدِثُون المبدلون ، والحمد لله رب العالمين .
- معنى الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [ سورة الأحزاب / 33 ، الآية : 56 ] . قال ابن عباس : معناه : إن الله و ملائكته يباركون على النبي . و قيل : إن الله يترحم على النبي ، وملائكته يدعون له .
قال المبرد : و أصل الصلاة الترحم ، فهي من الله رحمة ، و من الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله . و قد ورد في الحديث : صفة صلاة الملائكة على من جلس ينتظر الصلاة : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه فهذا دعاء . و قال أبو بكر القشيري : الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي صلى الله عليه و سلم رحمة ، و للنبي صلى الله عليه و سلم تشريف و زيادة تكرمة . و قال أبو العالية : صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة ، و صلاة الملائكة الدعاء . قال القاضي أبو الفضل : وقد فرق النبي صلى الله عليه و سلم في حديث تعليم الصلاة بين لفظ الصلاة و لفظ البركة ، فدل أنهما بمعنيين .
و أما التسليم الذي أمر الله تعالى به عباده فقال القاضي أبو بكر بن بكير : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه و سلم ، فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه ، و كذلك من بعدهم أمرو أن يسلموا على النبي صلى الله عليه و سلم عند حضورهم قبره ، و عند ذكره .
وفي معنى السلام عليه ثلاثة وجوه : أحدهما : السلامة لك و معك ، و يكون السلام مصدراً . الثاني : أي السلام على حفظك و رعايتك متول له ، و كفيل به ، و يكون هنا السلام اسم الله . الثالث : أن السلام بمعنى المسالمة له و الانقياد ، كما قال : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ سورة النساء / 4 ، الآية : 6]
- حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم : اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم فرض على الجملة ، غير محدد بوقت ، لأمر الله تعالى بالصلاة عليه ، و حمل الأئمة و العلماء له على الوجوب ، و أجمعوا عليه . و حكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب ، و ادعى فيه الإجماع ، و لعله فيما زاد على مرة ، و الواجب منه الذي يسقط به الحرج و مأثم ترك الفرض ـ مرة ، كالشهادة له بالنبوة ، و ما عدا ذلك فمندوب مرغب فيه ، من سنن الإسلام و شعار أهله . قال القاضي أبو الحسن بن القصار : المشهور عن أصحابنا أن ذلك واجب في الجملة على الإنسان ، و فرض عليه أن يأتي بها مرةً من دهره مع القدرة على ذلك . و قال القاضي أبو بكر بن بكير : افترض الله على خلقه أن يصلوا على نبيه و يسلموا تسليما ، و لم يجعل ذلك لوقت معلوم ، فالواجب أن يكثر المرء منها ، و لا يغفل عنها . قال القاضي أبو محمد بن نصر : الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم واجبة في الجملة .
المواطن التي يستحب فيها الصلاة و السلام على النبي :
1- من ذلك في تشهد الصلاة ، و ذلك بعد التشهد و قبل الدعاء :عن فضالة بن عبيد قال : سمع النبي صلى الله عليه و سلم رجلاً يدعو في صلاته ، فلم يصل على النبي صلى الله عليه و سلم ، فقال النبي صلى الله عليه و سلم : عجل هذا . ثم دعاه فقال له و لغيره : إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله و الثناء عليه ، ثم ليصل على النبي ، ثم ليدع بعد بما شاء . و يروى بتمجيد الله ، و هو أصح . و عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : الدعاء و الصلاة معلق بين السماء و الأرض ، فلا يصعد إلى الله منه شيء حتى يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم .و قال ابن عطاء : للدعاء أركان و أجنحة و أسباب و أوقات ، فإن وافق أركانه قوي ، و إن وافق أجنحته طار في السماء ، و إن وافق مواقيته فاز ، و إن وافق أسبابه أنجح ، فأركانه حضور القلب ، و الرقة ، و الاستكانة و الخشوع ، و تعلق القلب بالله ، و قطعه الأسباب . و أجنحة الصدق ، و مواقيته الأسحار ، و أسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه و سلم . و في الحديث : الدعاء بين الصلاتين علي لا يرد . و في دعاء ابن عباس الذي رواه عنه حنش ، فقال في آخره : و استجب دعائي ، ثم تبدأبالصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم فتقول : اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد عبدك و نبيك و رسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك أجمعين آمين .
2- عند ذكره و سماع اسمه ، أو كتابته ، أو عند الأذان : و قد قال صلى الله عليه و سلم : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي . قال أصبغ ، عن ابن القاسم : موطنان لا يذكر فيهما إلا الله : الذبيحة ، و العطاس ، فلا تقل فيهما بعد ذكر الله : محمد رسول الله . و لو قال بعد ذكر الله : صلى الله على محمد لم يكن تسميةً له مع الله . و قاله أشهب ، قال : و لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم فيه استناناً . و روى النسائي ، عن أوس بن أوس ، عن النبي صلى الله عليه و سلم : الأمر بالإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة .
3- عند دخول المسجد : قال أبو إسحاق بن شعبان : و ينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي على النبي صلى الله عليه و سلم ، و على آله ، و يترحم عليه ، و على آله ، و يبارك عليه و على آله ، و يسلم تسليماً ، و يقول : اللهم اغفر لي ذنوبي ، و افتح لي أبواب رحمتك . و إذا خرج فعل مثل ذلك ، و جعل موضع رحمتك ـ فضلك . و قال عمرو بن دينار ـ في قوله تعالى : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ـ قال : إن لم يكن في البيت أحد فقل : السلام على النبي و رحمة الله و بركاته ، السلام علينا و على عباد الله الصالحين . السلام على أهل البيت و رحمة الله و بركاته . قال ابن عباس : المراد بالبيوت هنا المساجد . و قال النخعي : إذا لم يكن في المسجد أحد فقل : السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و إذا لم يكن في البيت أحد فقل : السلام علينا و على عباد الله الصالحين . و عن علقمة : إذا دخلت المسجد أقول : السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته ، صلى الله و ملائكته على محمد . و نحوه عن كعب : إذا دخل ، و إذا خرج ، و لم يذكر الصلاة . و احتج ابن شعبان لما ذكر بحديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يفعله إذا دخل المسجد . و مثله عن أبي بكر بن عمرو بن حزم . و ذكر السلام و الرحمة .
4 - الصلاة على الجنائز : و ذكر عن أبي أمامة أنها من السنة .
5 - ومن مواطن الصلاة التي مضى عليها عمل الأمة ، و لم تنكرها : الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم و آله في الرسائل ، و ما يكتب بعد البسملة ، و لم يكن هذا في الصدر الأول ، و أحدث عند ولاية بني هاشم ، فمضى به عمل الناس في أقطار الأرض . و منهم من يختم به أيضاً الكتب .
6 - و من مواطن السلام على النبي صلى الله عليه و سلم تشهد الصلاة : عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : إذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله و الصلاة [ 166 ] و الطيبات ، السلام عليك أيها النبي و رحمة و بركاته . السلام علينا و على عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء و الأرض . هذا أحد مواطن التسليم عليه ، و سنته أول التشهد . و قد روى مالك عن ابن عمر أنه كان يقول ذلك إذا فرغ من تشهده و أراد أن يسلم . و استحب مالك في [ المبسوط ] أن يسلم بمثل ذلك قبل السلام . قال محمد بن مسلمة : أراد ما جاء عن عائشة و ابن عمر أنهما كانا يقولان عند سلامهما : السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته . السلام علينا و على عباد الله الصالحين . السلام عليكم . و استحب أهل العلم أن ينوي الإنسان حين سلامه كل عبد صالح في السماء و الأرض من الملائكة و بني آدم و الجن . قال مالك في [ المجموعة ] : و أحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول : السلام على النبي و رحمة الله و بركاته ، السلام علينا و على عباد الله الصالحين . السلام عليكم
- كيفية الصلاة عليه و التسليم : عن أبي حميد الساعدي ـ أنهم قالوا : يا رسول الله ، كيف نصلي عليك ؟ فقال : قولوا : اللهم صل على محمد و أزواجه و ذريته ، كما صليت على آل إبراهيم ، و بارك على محمد و أزواجه و ذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد . و في رواية مالك ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : قولوا : اللهم صل على محمد و على آله كما صليت على آل إبراهيم ، و بارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد .و السلام ـ كما قد علمتم . و في رواية كعب بن عجرة : اللهم صل على محمد و آل محمد كما صليت على إبراهيم ، و بارك على محمد و آل محمد كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد . و عن عقبة بن عمرو في حديثه : اللهم صل على محمد النبي الأمي ، و على آل محمد . و في رواية أبي سعيد الخدري اللهم صل على محمد عبدك و رسولك . . . و ذكر معناه .
- فضيلة الصلاة على النبي و التسليم عليه و الدعاء له : عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : إذا سمعتم المؤذن قولوا مثل ما يقول ، و صلوا علي ، فإنه من صلى علي مرةً واحدةً صلى الله عشراً ، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، و أرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة . و روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : من صلى علي صلاةً صلى الله عليه عشر صلوات ، و حط عنه عشر خطيئات ، و رفع له عشر درجات . و في رواية : و كتب له عشر حسنات . و عن أنس ، عنه صلى الله عليه و سلم : إن جبريل ناداني ، فقال : من صلى عليك صلاةً صلى الله عليه عشراً ، و رفعه عشر درجات . و في رواية عبد الرحمن بن عوف ، عنه صلى الله عليه و سلم : لقيت ج بريل فقال لي : إني أبشرك أن الله تعالى يقول : من سلم عليك سلمت عليه ، و من صلى عليك صليت عليه . و عن أبي بن كعب : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال أيها الناس ، اذكروا الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه . فقال أبي بن كعب : يا رسول الله ، إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال : ما شئت . قال : الربع ؟ قال : [ ما شئت ، و إن زدت فهو خير ] . قال الثلث ؟ قال : [ ما شئت ، و إن زدت فهو خير ] . قال : النصف ؟ قال : [ ما شئت ، و إن زدت فهو خير ] . قال : قال : الثلثين ؟ قال : [ ما شئت ، و إن زادت فهو خير ] . قال : يا رسول الله ، فأجعل صلاتي كلها لك ؟ قال : [ إذاً تكفى ويغفر ذنبك ] . و عن جابر بن عبد الله ، قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم : من قال حين يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت محمداً لوسيلة و الفضيلة ، و ابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ـ حلت له الشفاعة يوم القيامة . و عن سعد بن أبي وقاص ، من قال حين يسمع المؤذن : و أنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أن محمداً عبده ورسوله ، رضيت بالله رباً و بمحمد رسولا ، و بالإسلام ديناً ـ غفر له .
- ذم من لم يصل على النبي صلى الله عليه و سلم و إثمه : عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي ، و رغم أنف رجل دخل رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ، و رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة . قال عبد الرحمن : و أظنه قال : أو أحدهما . و في حديث آخر : أن النبي صلى الله عليه و سلم صعد المنبر فقال : [آمين ] ثم صعد ، فقال : [ آمين ] ، فسأله معاذ عن ذلك ، فقال : إن جبريل أتاني فقال : يا محمد ، من سميت بين يديه فلم يصل عليك فمات فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ، فقلت آمين . و قال فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه فمات مثل ذلك . و من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات مثله . و عن علي بن أبي طالب : عنه صلى الله عليه و سلم أنه قال : ا لبخيل كل البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علي . و عن أبي هريرة ، قال أبو القاسم صلى الله عليه و سلم : أيما قوم جلسوا مجلساً ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله و يصلوا على النبي صلى الله عليه و سلم كانت عليهم من الله ترة إن شاء عذبهم و إن شاء غفر لهم . و عن جابر ، عنه صلى الله عليه و سلم : ما جلس قوم مجلساً ثم تفرقوا على غير صلاة على النبي صلى الله عليه و سلم إلا تفرقوا على أنتن من ريح الجيفة . و عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه و سلم ، قال : لا يجلس قوم مجلساً لا يصلون فيه على النبي صلى الله عليه و سلم [ 171 ] إلا كان عليهم حسرةً و إن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب . و حكى أبو عيسى الترمذي ، عن بعض أهل العلم ، قال : إذا صلى الرجل على النبي صلى الله عليه و سلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس .
- تخصيصه صلى الله عليه و سلم بتبليغ صلاة من صلى عليه و سلم من الأنام : و عن أبي مسعود : إن لله ملائكة سياحين في الأرض ببلغوني عن أمتي السلام . و نحوه عن أبي هريرة . و عن ابن عمر : أكثروا من السلام على نبيكم كل جمعة ، فإنه يؤتي به منكم في كل جمعة . و في رواية : فإن أحداً لا يصلي علي إلا عرضت صلاته علي حين يفرغ منها . و عن الحسن ، عنه صلى الله عليه و سلم : حيثما كنتم فصلوا علي ، فإن صلاتكم تبلغني . و عن ابن عباس : ليس أحد من أمة محمد يسلم عليه و يصلي عليه إلا بلغه . و ذكر بعضهم أن العبد إذا صلى على النبي صلى الله عليه و سلم عرض عليه اسمه . و عن الحسن بن علي : إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه و سلم فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : لا تتخذوا بيتي عيداً ، و لا تتخذوا بيوتكم قبوراً ، و صلوا علي حيث كنتم ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم . و في حديث أوس : أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة ، فإن صلاتكم معروضة علي . و عن سليمان بن سحيم : رأيت النبي صلى الله عليه و سلم في النوم ، فقلت : يا رسول الله ، هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك ، أتفقه سلامهم ؟ قال : نعم و أرد عليهم . و عن ابن شهاب : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء ، و اليوم الأزهر ، فإنهما يؤديان عنكم ، و إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، و ما من مسلم يصلي علي إلا حملها ملك حتى يؤديها إلي و يسميه حتى إنه ليقول : إن فلاناً يقول كذا و كذا .
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ يقول : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صل علي مرة صلى الله عليه عشراً ، ثم سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، و أرجو أن أكون أنا هو . فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة .
و في حديث آخر ـ عن أبي هريرة : الوسيلة أعلىدرجة في الجنة . و عن أنس : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ . قلت لجبريل : ما هذا ! قال : هذا الكوثر الذي أعطاكه الله . قال : ثم ضرب بيده إلى طينه ، ف استخرج مسكاً . و عن عائشة و عبد الله بن عمرو مثله ، قال : [ و مجراه على الدر و الياقوت ، و ماؤه أحلى من العسل ، و أبيض من الثلج ] . و في رواية ـ عنه : [ فإذا هو يجري ، و لم يشق شقاً ، عليه حوض ترد عليه أمتي . . . ] و ذكر حديث الحوض . و نحوه عن ابن عباس .
و عن [ ابن عباس أيضاً ، قال : الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه . و قال سعيد بن جبير : و النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله . و عن حذيفة ـ فيما ذكر صلى الله عليه و سلم عن ربه : وأعطاني الكوثر ، و هو نهر في الجنة ، يسيل في حوضي . و عن ابن عباس : في قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى ، قال : ألف قصر من لؤلؤ ترابهن المسك ، و فيه ما يصلحهن . و في رواية أخرى : وفيه ما ينبغي له من الأزواج و الخدم .
01 محمد : وهو أشهرها ، وبه سُمّيَ في التوراه صريحاً - أنظر جلاء الإفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام لابن القيّم 0
02 أحمد : وهو الإسم الذي سمّاه بهِ المسيح ، قال تعالى في سورة الصف :- وإذ قال عيسى إبن مريم يابني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي إسمه أحمد )) 0
والفرق بين محمد وأحمد من وجهين
الوجه الأول : أن محمداً هو المحمود حمداً بعد حمد فهو دال على كثرة حمد الحامدين له ، وذلك يستلزم كثرة موجبات الحمد فيه ، وأحمد تفضيل من الحمد يدل على أنه الحمد الذي يستحقه أفضل مما يستحقه غيره ، فمحمد زيادة حمد في الكمية وأحمد زيادة في الكيفية ، فيحمد أكثر حمد وأفضل حمد حمده البشر 0
والوجه الثاني : أن محمداً هو المحمود حمداً متكرراً كما تقدم ، وأحمد هو الذي حمده لربه أفضل من حمد الحامدين غيره ، فدلَّ أحد الإسمين وهو محمد على كونه محموداً ودل الأسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه ( ( جلاء الإفهام ) ص (98) -
03 المتوكل : وهو الذي يتوكل على ربه في كل حالة 0
04 الحاشر : وهو الذي يحشر الناس على قدمه ، فكأنه بُعِثَ ليحشر الناس 0
05 الماحي : وهو الذي محا الله به الكفر 0
06 العاقب : وهو الذي عقب الأنبياء0
07 المقفّي : وهو الذي قضّى على آثار من تقدمه من الرسل 0
08 نبي التوبة : وهو الذي فتح الله به باب التوبة على أهل الأرض 0
09 نبي الملحمة : وهو الذي بعث بجهاد أعداء الله 0
10 الفاتح : وهو الذي فتح الله بهِ باب الهدى وفتح بهِ الأعين العمي والآذان الصم والقلوب الغلف ، وفتح الله بهِ أمصار الكفار وأبواب الجنة وطرق العلم والعمل الصالح 0
11 الأمين : هو أمين الله على وحيه ودينه وهو أمين من في السماوات والأرض 0
ويلحق بهذه الاسماء :
البشير : هو المبشر لمن أطاعه بالثواب 0
النذير : هو المنذر لمن عصاهُ بالعقاب 0
السراج المنير : هو الذي ينير من غير إحراق بخلاف الوهاج فإن فيه نوع إحراق وتوهج 0
سيد ولد آدم : فقد روى مسلم في صحيحه أنه قال صلى الله عليه وسلم : (( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة )) وفي زيادة عند الترمذي (( ولا فخر )) (2516) وغيره 0
الضحوك والقتّال : وهما إسمان مزدوجان لايفرد أحدهما عن الآخر فإنه ضحوك في وجوه المؤمنين غير عابس ولا مقطب ، ولا غضوب ، ولا فظ ، قتّال لاعداء الله ، لاتأخذه فيهم لومة لائم 0
وهو القاسم ، وعبدالله ، وصاحب لواء الحمد ، وصاحب المقام المحمود ، وغير ذلك من الأسماء ، لأن أسماءَه إذا كانت أوصاف مدح ، فإن له من كل وصف إسم لكن ينبغي أن يفرّق بين الوصف المختص بهِ ، أو الغالب عليه ويشتق له منه إسم ، وبين الوصف المشترك ، فلا يكون له منه إسم يخصه 0
وعن جبير بن مطعم قال : سمّي لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماء فقال : (( أنا محمد وأنا أحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يُحشَرُ الناس على قدمي ، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي )) رواه البخاري (3268) ومسلم (4343) 0
وأسماؤه صلى الله عليه وسلم نوعان : -
النوع الأول : خاص به لايشاركه فيه أحد غيره من الرسل كمحمد وأحمد والعاقب والحاشر والمقفي ونبي الملحمة 0
والنوع الثاني : مايشاركه في معناه غيره من الرسل ، ولكن له منه كماله فهو مختص بكماله دون أصله ، كرسول الله ونبيه وعبده والشاهد والمبشر والنذير ، ونبي الرحمه ونبي التوبة 0وأما إن جُعِلَ له من كل وصف من أوصافه إسم تجاوزت أسماؤه المائتين كالصادق والمصدوق والرؤوف والرحيم إلى أمثال ذلك ، وفي هذا قال من قال من الناس إنالله عز وجل ألف اسم وللنبي صلى الله عليه وسلم ألف اسم ، قاله أبو الخطاب بن دحية ومقصودة الاوصاف 0 بتصرف من زاد المعاد(1/57-59)0
كنيتـــه :-
كان صلى الله عليه وسلم يكنّى أبا القاسم بولده القاسم وكان أكبر أولاده 0
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم في السوق فقال رجل يا أبا القاسم ، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : سمّوا بإسمي ولاتكنوا بكنيتي )) رواه البخاري (6/647) المناقب 0
قال الحافظ : وقد إختلف في جواز التكني بكنيته صلى الله عليه وسلم ، فالمشهور عن الشافعي المنع على ظاهر الحديث ، وقيل يختص ذلك بزمانه وقيل بمن تسمى باسمه 0 فتح الباري (6/648) 0
قال الله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [سورة الإسراء / 17 ، الآية : 79 ] .
عن ابن عمر يقول : إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى ، كل أمة تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان ، اشفع لنا ، يا فلان اشفع لنا ، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه و سلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود .
و عن أبي هريرة : سئل عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ـ يعني قوله : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، فقال : هي الشفاعة . و روى كعب بن مالك ، عنه صلى الله عليه و سلم : يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا و أمتي على تل و يكسوني ربي حلة خضراء ، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك المقام المحمود .
و عن ابن عمر [ 73 ] رضي الله عنه ـ و ذكر حديث الشفاعة ـ قال : فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة ، فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود الذي وعده .
و عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه و سلم أنه قيامه عن يمين العرش مقاماً لا يقومه غيره ، يغبطه فيه الأولون و الآخرون . و نحوه عن كعب والحسن . و في رواية : هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه . عن ابن مسعود ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : إني لقائم المقام المحمود . قيل : و ما هو ؟ قال : ذلك يوم ينزل الله تبارك و تعالى [ على كرسيه ] . . الحديث .
و عن أبي موسى رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه و سلم : خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ، لأنها أعم ، أترونها للمتقين ؟ لا ، و لكنها للمذنبين الخطائين .
و عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قلت : يا رسول الله ، ماذا ورد عليك في الشفاعة ؟ فقال : شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً ، يصدق لسانه قلبه .
و عن أم حبيبة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : أريت ما تلقى من بعدي ، و سفك بعضهم دماء بعض ، و سبق لم من الله ما سبق للأمم قبلهم ، فسألت الله أن يؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم ، ففعل .
و قال حذيفة : يجمع الله الناس ، في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي ، و ينفذهم البصر ، حفاة عراة كما خلقوا ، سكوتاً لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فينادى محمد فيقول : لبيك و سعديك ، و الخير في يديك ، و الشر ليس إليك ، و المهتدي من هديت ، و عبدك بين يديك ، و لك و إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، تباركت و تعاليت ، سبحانك رب البيت ـ قال : فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله .
و قال ابن عباس رضي الله عنه : إذا دخل أهل النار النار ، و أهل الجنة الجنة ، فتبقى آخر زمرة من الجنة و آخر زمرة من النار ، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة : ما نفعكم إيمانكم ، فيدعون ربهم ويضجون ، فيسمعهم أهل الجنة فيسلون آدم وغيره بعده في الشفاعة لهم ، فكل يعتذر حتى يأتوا محمداً صلى الله عليه و سلم ، فيشفع لهم ، فذلك المقام المحمود . و نحوه عن ابن مسعود أيضاً ، و مجاهد . و ذكر علي بن الحسن عن النبي صلى الله عليه و سلم .
و قال جابر بن عبد الله ليزيد الفقير : سمعت بمقام محمد ـ يعني الذي بعثه الله فيه ؟ قلت : نعم . قال : فإنه مقام محمد المحمود الذي يخر ج الله به من يخرج ـ يعني من النار ـ و ذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين . و عن أنس نحوه ، و قال : فهذا المقام المحمود الذي وعده . [ و عن سلمان : المقام المحمود هو الشفاعة في أمته يوم القيامة . و مثله عن أبي هريرة رضي الله عنه .
و قال قتادة : كان أهل العلم يرون المقام المحمود هو شفاعته يوم القيامة ، وعلى أن المقام المحمود مقامه عليه الصلاة و السلام للشفاعة مذاهب السلف من الصحابة و التابعين و عامة أئمة المسلمين . و بذلك جاءت الشفاعة مفسرةً في صحيح الأخبار عنه عليه الصلاة والسلام : وجاءت مقالة في تفسيرها شاذةً عن بعض السلف ، يجب ألا تثبت ، إذا لم يعضدها صحيح أثر ، ولا سند نظر . ولو صحت لكان لها تأويل غير مستنكر ، لكن ما فسره النبي صلى الله عليه و سلم في صحيح الآثار برده ، فلا يجب أن يلتفت إليه ، مع أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ، و لا اتفق على المقال أمة ، وفي إطلاق ظاهره منكر من القول وشنعة ] . و في رواية أنس و أبو هريرة وغيرهما ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض : قال صلى الله عليه و سلم : يجمع الله الأولين و الآخرين يوم القيامة فيهتمون ـ أو قال : فيلهمون فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا . و من طريق آخر ، عنه : [ ماج الناس بعضهم في بعض ] .
و عن أبي هريرة : وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من الغم ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقولون : ألا تنظرون من يشفع لكم ، فيأتون آدم فيقولون ، زاد بعضهم : أنت آدم أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ونفخ فيك من روحه ، و اسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا ، ألا ترى [ 74 ] ما نحن فيه ؟ . فيقول : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله ، ولا يغضب بعده مثله ، ونهائي عن الشجرة فعصيت ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا إلى نوح . فيأتون نوحاً فيقولون : أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك الله عبداً شكوراً ، ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما بلغنا ! ألا تشفع لنا إلى ربك ؟ فيقول : إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ، ولا يغضب بعده مثله ، نفسي ! نفسي ! قال ـ في رواية أنس : ويذكر خطيئته التي أصاب : سؤاله ربه بغير علم .
وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه : وقد كانت لي دعوة دعوتها على قومي ، اذهبوا إلى غيري . اذهبوا إلى إبراهيم ، فإنه خليل الله . فيأتون إبراهيم ، فيقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ، اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ فيقول : إن ربي قد غضب اليوم غضباً . . . فذكر مثله ، ويذكر ثلاث كلمات كذبهن . نفسي ، نفسي ، لست لها ، ولكن عليكم بموسى ، فإنه كليم الله . وفي رواية : فإنه عبد آتاه الله التوراة ، وكلمه وقربه نجياً . قال : فيأتون موسى ، فيقول : لست لها ، ويذكر خطيئته التي أصاب ، وقتله النفس ، نفسي ، نفسي ، ولكن عليكم بعيسى ، فإنه روح الله وكلمته . فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم بمحمد ، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . فأوتى ، فأقول : أنا لها . فأنطلق فأستاذن على ربي ، فيؤذن لي ، فإذا رأيته وقعت ساجداً . وفي رواية : فآتي تحت العرش ، فأخر ساجداً . وفي رواية : فأقوم بين يديه ، فأحمد بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله . وفي رواية : فيفتح الله علي من محامده ، وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي . قال ـ في رواية أبي هريرة : فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، سل ، تعطه ، و اشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأقول : يا رب ، أمتي ، يا رب ، أمتي . في قول : أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، و هم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب . و لم يذكر في رواية أنس هذا الفصل ، و قال ـ مكانه : ثم أخر ساجداً ، فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، و قل يسمع لك ، و اشفع تشفع ، و سل تعطه . فأقول : يا رب ، أمتي ، أمتي . فيقال : انطلق ، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه ، فأنطلق فأفعل . ثم أرجع إلى ربي ، فأحمده بتلك المحامد و ذكر مثل الأول ، و قال فيه : مثقال حبة من خردل . قال : فأفعل ، ثم أرجع ... و ذكر مثل ما تقدم ، و قال فيه : من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل ، فأفعل . و ذكر في المرة الرابعة : فيقال لي : ارفع رأسك ، و قل يسمع ، و اشفع تشفع ، و سل تعطه . فأقول : يا رب ، ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله . قال : ليس ذلك إليك . و لكن و عزتي و كبريائي و عظمتي و جبريائي لأخرجن من النار من قال : لا إله إلا الله .
و من رواية قتادة عنه ، قال : فأقول يا رب ، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود . و عن أبي بكر ، و عقبة بن عامر ، و أبي سعيد ، و حذيفة مثله ، قال : فيأتون [ 75 ] محمداً فيؤذن له ، و تأتي الأمانة و الرحم فتقومان جنبتي الصراط . وذكر في رواية أبي مالك ، عن حذيفة : فيأتون محمداً فيشفع ، فيضرب الصراط فيمرون : أولهم كالبرق ، ثم كالريح ، و الطير ، و شد الرجال ، و نبيكم صلى الله عليه و سلم على الصراط يقول : اللهم سلم سلم ،حتى يجتاز الناس . و ذكر آخرهم جوازاً . . . الحديث .
و في رواية أبي هريرة : فأكون أول من يجيز . و عن ابن عباس ، عنه صلى الله عليه و سلم : يوضع للأنبياء منابر يجلسون عليها ، ويبقى منبري لا أجلس عيله قائماً ، بين يدي ربي منتصباً ، فيقول الله تبارك و تعالى : ما تريد بأمتك ؟ فأقول : يا رب ، عجل حسابهم ، فيدعى بهم ، فيحاسبون . فمنهم من يدخل برحمته ، و منهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، و لا أزال أشفع حتى أعطى صكاكاً برجال قد أمر بهم إلى النار ، حتى إن خازن النار ليقول : يا محمد ، ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة .
وعن أنس ـ أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : أنا أول من تنفلق الأرض عن جمجمته و لا فخر ، و أنا سيد الناس يوم القيا مة و لا فخر ، و معي لواء الحمد يوم القيامة ، و أنا أول من تفتح له الجنة و لا فخر ، فآتي فآخذ بحلقة الجنة ، فيقال : من هذا ؟ فأقول : محمد ، فيفتح لي ، فيستقبلني الجبار تعالى ، فأخر له ساجداً . . . و ذكر نحو ما تقدم .
و من رواية أنس : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر . فقد اجتمع من اختلاف ألفاظ هذه الآثار أن شفاعته ـ صلى الله عليه و سلم ، و مقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها ، من حين يجتمع الناس للحشر ، و تضيق بهم الحناجر ، و يبلغ منهم العرق و الشمس و الوقوف مبلغه ، و ذلك قبل الحساب ، فيشفع حينئذ لإراحة الناس من الموقف ، ثم يوضع الصراط ، و يحاسب الناس ، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة و حذيفة . و هذا الحديث أتقن ، فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة ـ كما تقدم في الحديث ـ ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ، و دخل النار منهم حسب ما تقضيه الأحاديث الصحيحة ، ثم فيمن قال : لا إله إلا الله . و ليس هذا لسواه صلى الله عليه و سلم . و في الحديث المنتشر الصحيح : لكل نبي دعوة يدعو بها ، و اختبأت دعوتي شفاعةً لأ متي يوم القيامة . قال أهل العلم : معناه دعوة أعلم أنها تستجاب لهم ، و يبلغ فيها مرغوبهم ، و إلا فكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة ، و لنبينا صلى الله عليه و سلم منها ما لا يعد ، لكن حالهم عند الدعاء بها بين الرجاء و الخوف ، و ضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاءوه يدعون بها على يقين من الإجابة . و قد قال محمد بن زياد ، و أبو صالح ، عن أبي هريرة في هذا الحديث : لكل نبي دعوة دعا بها في أمته ، فاستجيب له ، و أنا أريد أن أدخر ، دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة .
و قي رواية أبو صالح : لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته . و نحوه في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة [ 76 ] . و عن أنس مثل رواية ابن زياد ، عن أبي هريرة . فتكون هذه الدعوة المذكورة مخصوصةً بالأمة مضمونة الإجابة ، و الإ فقد أخبر صلى الله عليه و سلم أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا و أعطي بعضها ، و منع بعضها ، وادخر لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة ، و خاتمة المحن ، و عظيم الشؤال و الرغبة . جزاه الله أحسن ما جزى نبياً عن أمته ، وصلى الله عليه و سلم كثيراً .
قال القاضي أبو الفضل : حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر نبوة نبينا صلى الله عليه و سلم ، و لا لطاعن في معجزاته ، فنحتاج إلى نصب البراهين عليها ، وتحصين حوزتها ، حتى لا يتوصل المطاعن إليها ، و نذكر شروط المعجز و التحدي و حده ، و فساد قول من أبطل نسخ الشرائع ، ورده ، بل ألفناه لأهل ملته ، الملبين لدعوته ، المصدقين لنبوته ، ليكون تأكيداً في محبتهم له ، و منماةً لأعمالهم ، و ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم .
و بنيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته ، و مشاهير آياته ، لتدل ، على عظيم قدره عند ربه . و أتينا منها بالمحقق و الصحيح الإسناد ، و أكثره مما بلغ القطع ، أو كاد ، و أضفنا إليها بعض ما وقع في مشاهير كتب الأئمة .
و إذا تأمل المتأمل المنصف ما قدمناه من جميل أثره ، و حميد سيره ، و براعة علمه ، ورجاحة عقله و حلمه ، و جملة كماله ، و جميع خصاله ، و شاهد حاله ، و صواب مقاله ـ لم يمتر في صحة نبوته ، و صدق دعوته . و قد كفى هذا غير واحد في إسلامه و الإيمان به . فروينا عن الترمذي ، و ابن قانع وغيرهما بأسانيدهم ـ أن عبد الله بن سلام ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم المدينة جئته لأنظر إليه ، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب .
[ 86 ] و عن أبي رمثة التيمي : أتيت النبي صلى الله عليه و سلم ، و معي ابن لي ، فأريته ، فلما رأيته قلت : هذا نبي الله . و روى مسلم و غيره أن ضماداً لما وفد عليه ، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم : إن الحمد لله نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أن محمداً عبده ورسوله قال له : أعد علي كلماتك هؤلاء ، فلقد بلغن قاموس البحر هات يدك أبايعك .
و قال جامع بن شداد : كا ن رجل منا يقال له طارق ، فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم بالمدينة ، فقال : هل معكم شيء تبيعونه ؟ قلنا : هذا البعير . قال : بكم ؟ قلنا : بكذا و كذا و سقاً من تمر ، فأخذ بخطامه ، و سار إلى المدينة ، فقلنا : بعنا من رجل لا ندري من هو ، و معنا ظعينة ، فقالت : أنا ضامنة لثمن البعير ، رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيس فيكم . فأصبحنا ، فجاء رجل بتمر فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه و سلم إليكم ، يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر ، و تكتالوا حتى تستوفوا . ففعلنا . و في خبر الجلندى ملك عمان ـ لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعوه إلى الإسلام ـ قال الجلندى : و الله ، لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ، و لا ينهي عن شيء إلا كان أول تارك له ، و أنه يغلب فلا يبطر و يغلب فلا يضجر ، و يفي بالعهد ، و ينجز الموعود ، و أشهد أنه نبي . و قال نفطويه ـ في قوله تعالى : يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار : هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه و سلم ، يقول : يكاد منظره يدل على نبوته و إن لم يتل قرآناً كما قال ابن رواحة : لو لم تكن فيه آيات مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر و قد آن أن نأخذ في ذكر النبوة و الوحي و الرسالة ، و بعده في معجزة القرآن ، و ما فيه من برهان و دلالة .
لما كان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم آخر رسل الله إلى البشرية جمعاء ، لزم أن تكون سيرته واضحة للجميع ، يستطيع كل أحدٍ الوصول إليها ، والنظر فيها ، والاستفادة منها . وقد قيض الله رجالاً من الصحابة ومن جاء بعدهم ، نقلوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى صارت في متناول كل راغب ومحب .
وإنّ تتبع تلك السيرة العطرة والوقوف على أحداثها ووقائعها ، وتناولها بالدراسة والتحقيق له أهداف عديدة ، يرمي لها الباحثون ، ويسعى إليها الدارسون ، أهداف يضعها المسلم نصب عينيه وهو يقلب السيرة بين يديه ، أهداف تجعل السيرة النبوية مميزة عن غيرها ، فلا تكون دراستها من أجل المتعة فحسب ، وإنما لأجل غايات أسمى ، فمن ذلك :
1-معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة شاملة ، كمعرفة نسبه ومولده ونشأته ، وأسلوب دعوته من بعثته إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ، تلك المعرفة التي تورث القرب منه ، ومحبته التي ينبغي أن تُملأ بها القلوب بعد محبة الله عز وجل .
2-معرفة هديه صلى الله عليه وسلم في الأمور كلها ، هديه في المنام والطعام والشراب والنكاح ، هديه في الحل والترحال ، هديه في السلم والحرب ، هديه في التعامل مع ربه ومع نفسه ومع المخلوقين ، هديه في التعامل مع الموافقين والمخالفين ، هديه في التربية والتعليم والدعوة والإرشاد ، هديه في كل ما يحتاجه البشر ، مما يترتب على ذلك محبته صلى الله عليه وسلم واتباعه والاقتداء به ، وتلك عبادة واجبة لا بد منها ، وهي سبيل إلى الهداية ، قال تعالى : { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين } (النور : 54) .
3-أخذ الدروس والعبر ، التي تضيء للسالك الطريق ، وتوصله إلى بر الأمان ، تلك الدروس التي تُؤخذ من سيرته صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال ، ولجميع الفئات .
4-الوقوف على التطبيق العملي لأحكام الإسلام التي تضمنتها الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة .
5-الوقوف على دلائل معجزاته صلى الله عليه وسلم ، مما يقوي الإيمان ويزيده .
6-معرفة الصحيح الثابت عنه صلى الله عليه وسلم ، حتى يميّز عن غيره ، وبالتالي تبقى السيرة صفحات بيضاء كما هي الحقيقة ، بعيدة عن غلو الغالين ، وتزييف الحاقدين .
7-بيان ما كان عليه هذا القائد العظيم من صفات وشمائل ، فلم ولن تجد سيرة أحدٍ ممن خلق الله تماثلها ، فضلاً عن أن تنافسها وتزيد عليها ، فهو قدوة في كل شيء يحتاجه الإنسان ، قال تعالى {لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة}(الأحزاب : 21)
8-معرفة الإسلام ، عقيدة ، وشريعة ، وأخلاقاً .
9-الاستعانة بدراسة السيرة في تفسير القرآن الكريم ، وشرح السنة النبوية .
10-معرفة موقف الإسلام وتعامله مع جميع الناس من صديق وعدو ، مسلم وكافر، معاهد وخائن وغير ذلك .
تلك هي بعض الأهداف التي يُسعى لها وتُستفاد من دراسة سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تلك السيرة التي لا بد من بيانها والوقوف معها ، ومعرفة عوامل تميزها عن غيرها ؛ حيث إنها سيرة باقيةٌ بقاء هذا الدين ، وشاملة بشموله ، ومحفوظة بحفظه ، وصاحبها مُتبعٌ يقتدى به إلى آخر الزمان ، فلا نبيٌّ بعده صلى الله عليه وسلم ، والحمد لله رب العالمين .
الحاكم بأمر الله
اهتم المسلمون قديماً وحديثا بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم باعتبارها المنهج العملي للإسلام، فألف أئمة الإسلام مؤلفات عديدة وجامعة في سيرته عليه الصلاة والسلام، ودونوا كل مايتعلق بذلك، والناظر في المكتبة الإسلامية يرى ذلك جلياَ بحمد الله، وسنقف في هذا المقال على بعض هذه المصادر. يقف القرآن الكريم في مقدمة مصادر السيرة ، ففيه بيان واضح للعقيدة والشريعة والأخلاق ، ويتضمن وصفاً للعديد من الأحداث والغزوات، وتصويراً للصراع الفكري والمادي بين الإسلام وخصومه ، وله أهمية خاصة من حيث الثبوت المطلق دينياً وتاريخياً ، حيث لا يشكك أحد فيه من الناحية التاريخية ، وإن اختلفت الآراء بين المسلمين وغيرهم حول مصدره .
ويلي القرآن في الأهمية كُتُب الحديث المتنوعة ما بين الكتب المرتبة على المسانيد والكتب المرتبة على الموضوعات الفقهية ، وهذه الكتب تقدم مادة واسعة ، وتحتوي على تفاصيل كثيرة متصلة بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والتربوية ، وتوضح جذور النظم الإسلامية وكيفية تطبيق التشريعات الأولى قبل أن يحاط النص بتفسيرات الفقهاء واجتهاداتهم العديدة. وتمتاز المصادر الحديثية بأنها أوثق رواة وأدق متوناً من كتب السيرة المتخصصة، وهذا بالجملة ، وينطبق هذا الوصف بدقة على الكتب الستة وفي مقدمتها الصحيحان .
وإضافة لما سبق فإن كتب الحديث وشروحها تناولت المغازي والأحداث التاريخية ، وقدمت معلومات غزيرة في هذا المجال.
كما أن السيرة تستقي من كتب أسباب النزول والناسخ والمنسوخ في القرآن، وكتب التفسير وفي مقدمتها (( تفسير الطبري )) و (( تفسير ابن أبي حاتم الرازي )) ، حيث أن التفسيرين يسوقان الروايات بالأسانيد مما يخدم توثيق النصوص على طريق المتابعات والشواهد ، ومعرفة اختلاف المخارج بالنسبة للمراسيل .
ومن الجدير الانتباه إلى كتب علم الرجال التي تدخل ضمن كتب علوم الحديث، والتي تقدم تفاصيل مهمة عن حياة الرواة ومدى تمتعهم بثقة معاصريهم ومن بعدهم، حيث أن نقد الروايات الحديثية، وروايات كتب السيرة من الناحية الإسنادية يتوقف على هذه المؤلفات الرجالية بالإضافة إلى كتب مصطلح الحديث التي تبين بتفصيل كيفية استعمال هذه المعلومات.
ومن الجدير بالانتباه أن مصطلح التاريخ الحديث ( الميثودولوجي ) يلتقي مع منهج مصطلح الحديث في محاولة الوقوف على أحوال الرواة ودوافعهم والمؤثرات المحيطة بهم سواء أكانت شخصية أم اجتماعية .
وتمتاز كتب السيرة المتخصصة بسهولة العرض ، وتتابع الأحداث التأريخية واتصالها، ومراعاة الزمن في سردها ، كما أنها تقدم وصفاً مفصلاً للأحداث بحكم تخصصها . وقد فقد العديد منها مثل مغازي عروة بن الزبير ، و موسى بن عقبة ، الزهري ، ولكن ما اقتبسته المصادر اللاحقة يوضح الهيكل والأسلوب ومستوى الدقة .
وتعد سيرة ابن اسحق أوثق كتب السيرة المتخصصة التي وصلت إلينا بتهذيب ابن هشام بالإضافة إلى القطع الأصلية منها ، والتي نشرت خلال العقدين الأخيرين، فهو حجة في المغازي كما صرح الذهبي ، رغم ما ذكره النقاد المحدثون من وجود المناكير والعجائب في رواياته ، إذ أنهم قبلوا من أحاديثه في أمور العقيدة والشريعة ما صرح فيها بالتحديث ولم يدلس ما لم يخالف من هو أوثق منه ، واعتبروها في مرتبة " الحسن " الذي يحتج به .
وقد حظت رواية البكائي لسيرة ابن سحق بالقبول لأنه اعتمد نسخة منقحة ، خلافاً لرواية يونس بن بكير الذي اعتمد نسخة قديمة .
أما المصدر الآخر من كتب السيرة فهو مغازي الواقدي ، وقد رفض النقاد من المحدثين قبول مروياته ، ولكن المؤرخين اهتموا بها لغزارة معلوماته، وتقديمه تفاصيل كثيرة ينفرد بها، سواء في وصف الغزوات، أو تحديد تواريخ الأحداث بدقة ، وهذه الدقة، تثير الشك في صدقه . والملاحظ من استقراء مغازيه أنه يسوق روايات كثيرة بأسانيد فيها رواة لا نجد لهم تراجم في كتب علم الرجال ، في حين أن نُقُول ابن سعد عنه في الطبقات الكبرى منتقاة . ونجد تراجم رجال الأسانيد في المصادر المعنية .
وثالث كتب السيرة المهمة هو الطبقات الكبرى لمؤلفه محمد بن سعد ( ت .230هـ) وكان كاتباً للواقدي ، مما جرَّ إلى اتهامه بسرقة مصنفاته، ولكن المحدثين النقاد رفضوا هذه الاتهامات ووثقوه ، كما أن التحقيق والاستقراء لكتابه يكشف عن كونه مؤلفاً أصيلا ، وأن رواياته عن الواقدي . - وقد صرح بالنقل عنه ـ لا تمثل معظم الكتاب الذي استقى مادته من شيوخ عديدين .
ويبغي أن يعتبر القسم الأول من أ نساب الأشراف للبلاذري هو المصدر الرابع من حيث الأهمية والقِدم . أما الطبري فإن جلَّ اعتماده على ابن اسحق ، وإن أضاف روايات من مصادر أخرى .
ومن المفيد الإشارة إلى أن مصادر متأخرة نسبياً مثل ( الدرر في اختصار المغازي والسير ) لـ ابن عبد البر القرطبي ( ت 463 هـ ) و ( جوامع السيرة ) لابن حزم ( ت 456هـ) ليست إلا أصداء للمصادر القديمة ، ولكن المصادر التي تلتها زمنياً استقت من كتب الحديث إلى جانب كتب السيرة المتخصصة، ويبدو هذا المسلك واضحاً عند ابن سيد الناس في ( عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير ) و الذهبي في ( السيرة النبوية ) و ابن كثير في قسم السيرة من كتابه ( البداية والنهاية )، لكن الأخيرين أبديا ملحوظات نقدية مهمة عن الأسانيد والمتون .
و الاتجاه نحو الجمع الواسع -كما هو شأن المتأخرين في الحقول الثقافية الأخرى- يظهر عند محمد بن يوسف الدمشقي الشامي ( ت 942هـ) حيث انتخب من ثلاثمائة كتاب في سيرته ( سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ) .
ولا ينبغي في نهاية الأمر أن نغفل أهمية كتب الدلائل والشمائل ، ومن أوسعها (دلائل النبوة ) للبيهقي ، وكذلك كتب الخصائص ، ومن أهمها كتاب ابن الملقن (غاية السول في خصائص الرسول ) وكتاب الخيضري الدمشقي ( ت 894هـ) ( اللفظ المكرم بخصائص النبي صلى الله عليه وسلم ) . ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
الحاكم بأمر الله
فخامة الزعيم
18-03-2003, 07:22 AM
ماشاء الله عليك يالحاكم بأمر الله ... مجهود جبار تشكر عليه ...صراحة المجلس فيه من كل شيء جميل الحمد الله والله يوفقك ... وتسمية رائعة من أخي الوهف ...تحياتي لكما
صاحب الفخامة
الله يسلمك ويبارك فيك أخوي صاحب الفخامة ... أشكرك على ردك الكريم ... وأضم صوتي لك بأن تسمية الموضوع كانت موفقة للغاية .... تحياتي للوهف
وتحياتي لك يازعيم
الحاكم بأمر الله
شموع لا تنطفئ
07-05-2003, 03:02 AM
<CENTER>
<TABLE BORDER=1 WIDTH=600 Background="[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]">
<TR><TD ALIGN=CENTER><h1><FONT FACE="DecoType Naskh" SIZE="5"><FONT COLOR="royalblue">
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
جزاكم الله خير
وبارك الله فيكم جميعا
[فقط الأعضاء المسجلين والمفعلين يمكنهم رؤية الوصلات]
ملكة المجالس
المغرورة وبس
</center>
</marquee></TD></TR></TABLE></center>
وبارك الله فيكِ أختي مغرورة ،،، أشكركِ على ردكِ الكريم وعلى تواصلكِ الرائع ،،،
تقبلي تحياتي وتقديري
الحاكم بامر الله
نجلاء عبدالعزيز
08-07-2003, 03:34 PM
جزاكم الله خير اخوتي في الله 000000
رغم اني لم اكملها بعد ولكن لكم الاجر بإذن الله
تحياتي0
اختكم في الله00000نجلاء عبد العزيز
ياهلا وغلا بأختي الكريمة نجلاء أشكركِ على ردكِ الكريم وأتمنى أن تشاهدي الطرح كامل .... وموفقه لكل خير أن شاء الله تعالى
الحاكم بامر الله
AL-WASEEEM
20-07-2003, 01:10 AM
يا هلا ومرحبا بالجميع ...
جزاكم الله الف خير على هذا العمل الرائع ...
دمتم لعربــــــنا سالمين ...
الله لايحرمنا من نشاطكم يارب ...
تقبلوا تحياتي أخووووووو..الوســـــــيم..ووووووووكم
ياهلا وغلا أخي الوسيم .... آمين يارب لنا ولك أخي العزيز أشكرك على جهدك النبيل والأهتمام الرائع والمخلص ...
وفقك الله وسدد خطاك لما يحب ويرضى
الحاكم بأمر الله
سيف الأسلام
28-07-2003, 05:48 AM
عليه الصلاة والسلام جزاك الله خير أخي على الموضوع المفصل وسوف أعود لمشاهدته بشكل أفضل ... جهد جميل جزاكم الله عنا كل الخير ...
السلام عليكم ورحمة الله
يا حياك الله أخي في الله .... أشكرك على ردك الكريم وأن شاء الله تستمتع بوجودك بالمجلس معنا أخي سيف الأسلام ...
تقبل تحياتي وتقديري
الحاكم بأمر الله
جويرية83
08-08-2003, 01:26 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بصراااااااااااااااااااااااحة جد ..... جد يعني واااااااااااااااايد
جزاكم الله خير ... موضوع رااااااائع وتوصيله إلينا أيضا
جد راائع ... والبحث عنه بعد جد رائع .... وتؤجر على هذا الشيء يا أخوي الحاكم بأمر الله
والله يثبتك ... وإذا كنت تريد أي مساعدة فأنا جاهزة
وإن شاء الله ... الله يقدرني بإني أطلع وقت وأقعد على موضوعك وأعطيه حقه في القراءة
والسموحة على الإطالة
إختك
جويرية83 :)
ياهلا وغلا بأختي جويرية أشكركِ على ردكِ الكريم ومروركِ الطيب ... ولا نستغني عن وجودكِ وشكرً في كل الإحوال ....على عرضكِ الطيب بالمساعدة
بارك الله فيكِ
الحاكم بأمر الله
اميره القلوب
11-08-2003, 11:07 PM
اخي كفيت ووفيت
سيره نبينا محمد خاتم الانبياء الكل يعرفها ودرسناها وانت احييت الذكري
اللهم صلي علي محمد وعلي اله وسلم
احسنت الحاكم بالله
بارك الله فيكِ ... وعليه صلوات ربي وتسليمه ... أشكركِ على تعقيبكِ الطيب وتواصلكِ الكريم
جزاكِ الله خير
الحاكم بأمر الله
بسم الله الرحمن الرحيم
مشكور أخوى الوهف وأخوى الحاكم بأمر الله
على مجهودكما ونشاطكما فى تلك الموسوعة الرائعة عن سيد المرسلين
صلى الله عليه وسلم .... وربنا يبارك لنا فيكما
جزاكما الله كل خير
*38*
بارك الله فيك أخي أشرف اسئل المولى عز وجل أن يحشرنا مع رسوله الكريم وصحابته رضوان الله عليهم ..
وفقك الله لكل خير..
الحاكم بأمر الله
vBulletin® v3.8.4, Copyright ©2000-2010, TranZ by Almuhajir
diamond