المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأريخ حياة الرسول صلى الله عليه و سلم


عربي أصيل
10-08-2003, 10:53 PM
إنّ من دواعي الأسف أن يركز المؤرخون لحياة الرسول (ص) على موضوع الغزوات و قد اتخذوا هذا الموضوع حجر الرحى في بيان حوادث حياة الرسول (ص) .

و قد يعطي هذا انطباعاً أن الرسول (ص) قد تحوّل فجأة الى رجل شديد الجوع للحرب بعد هجرته الى المدينة و هو ما حاوله المؤرخون الغربيون .

قالوا إن تعاليم الرسول (ص) كانت في مكة ذات مظهر ديني محض رافض للشر غير انه بمجرد أن هاجر الى المدينة تحوّل الى سياسي متعطش للدماء لا يقف شيء في طريقه لبسط سلطانه المطلق و هكذا لم يعد حسب رأيهم نبيّاً .

مطلق اللاعنف :

لقد اخطأ المؤرخون المستشرقون و قد تأثروا بالدين المسيحي فظنوا أن النبي يجب أن يدير الخد الايسر لمن يلطمه على الخد الايمن , اخطأوا فظنوا أن ذلك الفعل يجب أن يكون في كل حال و ظرف , أي أنه حسب رأي المستشرقين يتصرف النبي كما سلك المسيح خلال السنتين و النصف التي قضاها في دعوته و لو دعا عشرات السنين و واجه أسوء الأعداء.

و لقد نسي المستشرقون أن النبي (ص) قد نجح أن يعيش في أعلى المثاليات المسيحية مدة جاوزت دعوة المسيح (ع) خمسة اضعاف ... فقد استمر العهد المكي ثلاثة عشر عاماً كان مطاولة في الصبر الجميل و الدأب المستمر في مواجهة أبشع انواع الاضطهاد ...

ففي هذه المدة لم يترك مناوؤا الرسول (ص) و اعداؤه , لم يتركوا حجراً واحداً في جعبتهم إلا و قذفوه بها لكي يقظوا على دعوته , و لكنه (ص) لم يقابلهم بالمثل و لا مرّة واحدة في هذه المرحلة ... و تزايد أتباعه كثيراً و كان بإمكانه القضاء على أعدائه و بكل سهولة و لكنه لم يفعل ذلك أبداً, بل على العكس اًمر أتباعه بالهجرة الى الحبشة ليصونوا أنفسهم من اضطهاد الكفار ... و لكن هؤلاء الكفرة لم يتركوا المسلمين و شأنهم في بلاد الحبشة فقد بذلوا جهدهم للنيل من المسلمين فطرحوا قضيتهم أمام النجاشي ... و لابد أن نذكر أن النبي (ص) ما وقف الموقف السلبي في هذه المرحلة و هو يرى الظلم و الطغيان و قد كان متفشياً في مكة فهو الذي منع حرباً دامية بين القبائل بسبب تنافسها على إعادة بناء الكعبة و تثبيت الحجر الأسود . .

جاذبية الأسلام

لم يقتصر الرسول (ص) على تشجيع فكرة ايجاد لجنة من أجل السلام و العدل في الجزيرة العربية قبل الأسلام بل جعل الأمر واقعاً عملياً فكانت لجنة مؤلفة من ممثلي كل قبيلة من بني عبد المطلب, بني أسد , بني زهرة , بني تميم . . و غيرهم . .

و كانت أهداف هذا الحلف ما يلي :

1- التقليل من خطر الحرب .

2- حماية طرق المسافرين .

3- مساعدة الفقير .

4- منع القوى من السيطرة على الضعيف .

أمّا فيما بعد فقد ردّد النبي(ص) مراراً أنه مستعد أن يدخل أيّ حلف أو جماعة لها أهداف مماثلة للأهداف المذكورة .

فهل يدل هذا الفعل أن هدف النبي (ص) كان الهيمنة السياسية قبل إرساء قواعد السلم و العدل؟

لقد أراد النبي (ص) أن يبني دولة قوية راسخة من أجل حماية السلم و العدل . . . أن يبني دولة لا في المدينة فحسب , بل في كل شبه جزيرة العرب.

و مّما لا يستطيع أحد إنكاره أن إنعدام حكومة مركزية قوية في جزيرة العرب هو من أهم الأسباب التي أوجدت الظلم و العنف بين القبائل , و لذا كانت خطوة الرسول (ص) بعد هجرته الى المدينة تأسيس حكومة قوية حازمة في المدينة فقط مؤملاً أن ستتوسع هذه الدولة فتشمل كل الجزيرة العربية حتى لا يبقى ركن فيها إلا و يضيئه نور الأسلام . . . كل هذا بفعل جاذبية الاسلام للنفوس لا بفعل الحرب الكريهة .

و كان بدهياً أن يعتقد الرسول (ص) أنه بمجرد استقراره في ركن المدينة الآمن فإن دين الاسلام سيدخل الى قلوب الناس في كل مكان منها .

فالاسلام الذي أخذ بمجامع القلوب فآمن به الناس و هم يواجهون أشد أنواع العذاب و الاضطهاد لابد أنه سيدخل في قلوب الناس و هم آمنون في المدينة و قد أنعم الله عليهم بالمأوى الذي تطمئن اليه النفس.

و يبدو أن قد حمل هذه الفكرة - جاذبية الاسلام- مشركوا مكة و عرفوا ان سيكون المستقبل للاسلام و لذلك هدفوا الى اجتثاث هذه النبتة بأسرع ما يمكن و بيّتوا العزم و أوضحوا و بيّـنوا ذلك للأنصار و المهاجرين بكل صراحة أنهم لم يتركوهم يعيشون بسلام في دولتهم الجديدة , و لذلك نظموا حملة دعائية واسعة ضدّ المدينة قبل معركة بدر , فكتبوا رسائل لليهود و المنافقين في المدينة يحرّضونهم فيها على التمرد على الرسول (ص) , و هاكم مثالاً لاحدى رسائلهم ( لقد اعطيتم رجلنا (صاحبنا) تأييدكم فعليكم الآن إمّا أن تشهروا عليه السلاح أو تطردوه من مدينتكم و إلا فقد استمّر عزمنا على أن نهاجمكم هجمة رجل واحد فنقتل أبناءكم و نسبي نساءكم).

هذه الرسالة بعثها المشركون الى عبد الله بن أبي رئيس المنافقين الذي حاول أن يتصيد بهذه الرسالة في الماء العكر- كما يقال- فيقاتل قومه و لكن الرسول (ص) فوّت على قريش هذه الفرصة و قال لعبد الله بن أبي أنه لمن الحماقة و السخف أن تضع يدك في يد قريش و تثق بها و تقاتل أقرباءك و عشيرتك المسلمين.

و قد حاولت قريش فيما بعد أن تتآمر مع يهود المدينة لسحق المسلمين و هذا انذارهم الذي وجهوه للمهاجرين بعد مؤامرتهم مع اليهود(لا تفخروا كونكم قد نجحتم في الهروب من مكة فإننا سنبيدكم في نفس يثرب).

و هذا يعتبر حسب المصطلحات الحديثة إعلان صريح للحرب. و لم تكتف قريش بهذه الانذارات و المؤامرات فقد أرسلت في ربيع الأول من السنة الثانية للهجرة حملة الى المدينة بقيادة (قويذ بن جابر) فوصلت مشارف المدينة المنورة و سلبت بعض قطعات الماشية , و لا شك أن هذا العمل هو مظهر من مظاهر العنف و إنذار للمسلمين أن المدينة لم تعد بعيدة عن متناول أيديهم و أنهم قد يتوقعون غزواً في أي لحظة .

و هنا يتبادر السؤال و هو ماذا يجب أن يعمل الرسول (ص) بعد كل هذه الدلائل و قد اقتنع من خبرته العملية أنّ وثنييي مكة سوف لن يتأثروا بسلوكه(ص) السلمي فيخجلوا و يكّفوا عدوانهم .

و كان نصب عينيه حقيقة لا يمكن تجاهلها و هو أن من الناس من لا تردعه إلا القوة, و كان(ص) عليه كافة الاحتياطات لاحباط مخططات اعدائه المكيين و لم تنقصه عقلية الحاكم الى جانب عقلية النبي(ص).

فهل من الواجب عليه أن يقبل تحدّي مكة العسكري له وهناك الدلائل الكثيرة أن لابد لقيام حرب بينه و بين أعدائه لأن أئمة الكفر قد سدّوا الطريق لتعايش سلمي . . بالاضافة الى أن المناوشات و الانذارات قد حدّدت أعداء الاسلام .

الوقائع الحربية :

قد نوّهت كتب السيرة عن حدوث 82 واقعة و لكن ما يعتبر غزوة لا يتجاوز(12) اثني عشرة فقط كان معظمها للدعوة للاسلام أو الاستطلاع أو لمطاردة الغزاة , و لم يكن بعضها يحمل سمة الغزوة إطلاقاً إذ كانت مؤلفة من أفراد قلائل مثل سرية عمر بن ابيه(6هـ) و سرية عبد الله بن أنيس(4هـ) بل كان الكفار يطلبون أحياناً جماعة من المسلمين لارشادهم حتى اذا جاؤوهم , قتلوهم غيلة و غدراً كما في حادث بئر معونة (4هـ) حيث قتل فيها 69 مسلماً فكم غريباً أن نعتبر مثل هذه الحوادث غزوات . . . على أن الغزوات التي يمكن أن تعتبر حروباً هي سبع فقط (بدر و أحد و الاحزاب و خيبر و مؤتة و فتح مكة و حنين ) .

و من المناسب ذكره أن مجموع من قتل من المسلمين في كل هذه الغزوات لم يتجاوز (259) مسلماً و من قتل من الكفار لـم يتجـاوز (759) قتيلاً فيكون مجموع قتلى الطرفين (1018) فقط خلال عشر سنوات . . . فهل يجوز مقارنة هذه الحروب مع أي حرب دينية أخرى ؟

يقول جون ديفينبورت JOHN DEVENPORT أنه قتل بأحكام محاكم التفتيش في أوربا اثني عشر مليوناً من الاشخاص .

هذا و لو تذكرنا أن كثيراً ممن قتل في معارك المسلمين كان بسبب سوء فهم للأوامر و غدر المشركين فسيكون عدد القتلى بسبب الحرب أقل كثيراً .

فهل مثل هذا العدد القليل من الضحايا من أجل استئصال الفوضى و الظلم في الجزيرة العربية يمنع أن يكون النبي (ص) رحمة للعالمين .

يجب أن نتذكر ايضاً أن المعاملة التي عومل بها أسرى رسول الله (ص) كانت مثالية و قد اطلق الرسول (ص) سراح (6337) أسيراً دون قيد أو شرط عدا اثنين منهم قتلوا بسبب جرائم لا تغتفر .

هذه المعاملة المثالية جعلت كثيراً من الأسرى لا يرضى بغير الاسلام ديناً .

أليس هذا كله كافياً أن يبرهن أن النبي (ص) كان رسولاً للسلام في المدينة كما كان في مكة
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
منقول